في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، يتوجّه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار كونغرس قد تمنح نتائجه دونالد ترامب انتصاراً سياسياً جديداً، أو تلحق به هزيمة تقلب حساباته خلال النصف الأخير من ولايته. الرئيس نفسه ليس على ورقة الاقتراع، لكن حضوره يطغى على المنافسة بين الجمهوريين والديموقراطيين، فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، وسّع استخدام صلاحياته التنفيذية، وخاض مواجهات سياسية داخلية، وأدخل الولايات المتحدة في حرب مع إيران. والآن يقترب موعد اختبار قدرته على الاحتفاظ بغطاء تشريعي يمنحه مساحة أوسع لمواصلة تنفيذ خياراته. تأتي الانتخابات في مناخ من التململ الاقتصادي والسياسي. فقد نقلت الحرب مع إيران جزءاً من كلفتها إلى الداخل الأميركي، مع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط على ميزانيات الأسر. وباتت قضايا المعيشة والهجرة والإنفاق العام تتداخل مع المواقف من إدارة ترامب للحرب وتحالفاته الخارجية. وتُظهر استطلاعات الرأي تقدّم الديموقراطيين في نيات التصويت لمجلس النواب، فيما تبدو معركة مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً. لكن الاستطلاعات لا تعكس بالضرورة موازين القوى في الدوائر الحاسمة. يتمسّك الجمهوريون بأكثريتهم في المجلسين للحفاظ على قدرتهم على تمرير برنامج الرئيس، فيما يسعى الديموقراطيون إلى استعادة أدوات التشريع والرقابة. وإذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، فقد يجد ترامب إدارته أمام لجان تحقيق أكثر صرامة، ومواجهات متكررة بشأن الموازنة والإنفاق. أما انتقال مجلس الشيوخ أيضاً إلى المعارضة، فسيزيد صعوبة إقرار التعيينات والتشريعات، ويفتح مرحلة من المساومات والصدامات في واشنطن. وفي المقابل، يمنح احتفاظ الجمهوريين بالمجلسين ترامب انتصاراً يعزّز موقعه داخل حزبه، وفرصة لمواصلة برنامجه بزخم سياسي وتشريعي متجدّد. ومع ذلك، لن تتبدّل طبيعة النظام الرئاسي بنتيجة الاقتراع. سيبقى ترامب القائد الأعلى للقوات المسلحة، محتفظاً بصلاحيات تنفيذية واسعة وبحق الاعتراض على القوانين. وستتحدّد قوة الكونغرس الجديد بقدرته على استخدام صلاحياته فعلياً، وبمدى تماسك الأكثرية التي ستنبثق من الانتخابات. وتزداد هذه المعادلة حساسية مع اقتراب معارك تمويل الحكومة، في ظل الاستقطاب الحزبي والتشكيك المتبادل بشرعية القرارات والمؤسسات. خارج الحدود الأميركية، تراقب عواصم الشرق الأوسط الانتخابات بوصفها مؤشراً إلى هامش الحركة المتاح لترامب. فالحرب مع إيران، والعلاقة مع إسرائيل، والسياسات تجاه الفلسطينيين، ومسارات التهدئة أو التصعيد الإقليمي، تتأثر بقدرة الإدارة على تمويل خياراتها والدفاع عنها في الداخل. وتأتي هذه الحسابات فيما خلّفت الانتخابات الإسرائيلية خريطة برلمانية مفتوحة على مفاوضات شاقة. وقد تحمل الفترة الفاصلة بين اقتراع تشرين الثاني وتسلّم الكونغرس الجديد في 3 كانون الثاني/يناير حسابات إضافية، إذ تبقى الأكثريات الحالية صاحبة القرار طوال تلك المرحلة. ولا يقتصر الرهان على الرئيس. فالحزب الجمهوري سيقرأ النتيجة باعتبارها مؤشراً إلى مستقبل "ماغا" وحدود جاذبيته خارج قاعدة ترامب الصلبة. وفي الجهة المقابلة، سيواجه الديموقراطيون نقاشاً بشأن التوازن بين التيار التقدمي والوسط، وحيال الشخصية التي يمكنها قيادة الحزب نحو انتخابات الرئاسة عام 2028. وقد تفتح نتيجة متقاربة باباً واسعاً للنزاعات السياسية والقانونية، وسط احتدام الصراع على قواعد الاقتراع نفسها. لن يفقد ترامب السلطة التنفيذية إذا خسر حزبه الكونغرس، كما أن فوز الجمهوريين لن يزيل التحديات التي تواجه إدارته. لكن نتيجة الاقتراع ستعيد توزيع موازين القوة في واشنطن خلال العامين المقبلين، وتحدّد مقدار ما يستطيع الرئيس إنجازه أو ما سيضطر إلى التراجع عنه. وبين انتصار يعزّز سلطته وهزيمة تقيّد نفوذه، يملك الناخب الأميركي فرصة إعادة رسم المسار السياسي لأقوى دولة في العالم.