أكثر ما أتذكّره من مراهقتي هو معاناتي العاطفية الأولى، التي عشتها بالنيابة عن الآخرين. لم تكلّفني ليالي أرق ولا مناديل للبكاء، بل ساعات أمضيتها في متابعة شخصيات تملك كلّ مقوّمات السعادة، باستثناء شيء واحد: المنطق السليم. وكانت روايات "Romans-Photos"، المنشورة في مجلّات خاصّة، قد رافقت مراهقتي بإخلاص لافت. لم أكن أعرف الكثير عن الحبّ، لكنّني كنت مستعدّة لمنحه أهمّية بالغة. اكتشفت عالمًا كان فيه الرجال وسيمين. آه منكما يا فرانكو غسباري وفرانكو داني! وكانت النساء فاتنات، فمن ينسى أورنيلا موتي وشقيقتها الكبرى كلوديا ريفللي، وسواهنّ كثيرات؟ كانت المشكلات العاطفية في تلك الصور والروايات معقّدة إلى درجة تستدعي تدخّل الأمم المتحدة. وهناك تعلّمت درسًا جوهريًّا فحواه أنّه كلّما كان الموقف بسيطًا، ازدادت الحاجة إلى تعقيده. كان بطل هذه الروايات رجلا قليل الكلام، كثير التحديق، دائم العبوس، كأنّ المصرف حجز أمواله. وإذا أحبّ امرأة، لم يصارحها؛ فذلك سيكون أسهل ممّا ينبغي! كان يحدّق فيها، ثم يبتعد، ثم يعود، ثم ينظر إليها بملامح رجل فقد حبيبته وثروته وجواز سفره دفعة واحدة. في الثالثة عشرة، كم كان ذلك رومانسيًّا بالنسبة إليّ! أمّا اليوم، فأتساءل: كيف كان هؤلاء الرجال يطلبون القهوة؟ وكيف كانوا يخبرون زوجاتهم بنفاد الزبدة؟ ربّما احتاجوا إلى مصوّر ولقطتين مقرّبتين وفقاعة نصيّة تقول: "لا أعرف كيف أخبرك، لكنّ منتجات الألبان نفدت". كان بإمكانهم أن يمضوا خمسين صفحة من دون توضيح موقف يحتاج إلى ثلاث جمل. أمّا البطلات، فكنّ يحوّلن كلّ نظرة إلى خيانة، وكلّ تأخّر في الردّ إلى انفصال، وكلّ امرأة تظهر قرب البطل إلى دليل إدانة. لم يكن ينقصهنّ سوى شهادة في التحقيق الجنائي! كانت لهذه الروايات ميزة هائلة. لم أكن أقرأ عن المعاناة فحسب، بل أراها على الوجوه. فإذا تلقّت البطلة خبرًا سيّئًا، بدت كأنّ خطيبها اختفى، وميراثها ضاع، ومصفّف شعرها هاجر إلى بلد آخر، وكلّ ذلك في اللحظة نفسها! أمّا البطل، فكان يحدّق في الأفق بتركيز يجعلني حائرة: أتُراه يبحث عن الحبّ، أم أنّه لمح سفينة تتعثّر في بحر المانش؟ وكانت الحوارات مقتضبة إلى حدّ العبقرية: ثم ينتهي الحوار، وتبدأ خمسون صفحة من العذاب، لأنّ أحدًا لم يفكّر في إكمال الجملة! لكنّ الإنجاز الحقيقي كان في تسريحات الشعر. قد تُهجَر البطلة أو تُخان أو تكتشف مؤامرة عائلية، لكنّها لا تفقد توازنها ولا خصلة واحدة من شعرها. كنت أنهار في مراهقتي بسبب يوم سيّئ أو بضع خصلات متمرّدة، بينما كانت هذه النساء يواجهن انهيار حياتهنّ العاطفية بتصفيفة صامدة تستحقّ براءة اختراع. لم أعرف إن كان السرّ في مثبّت الشعر، أو في "سبراي سعدون"، كما كان يطيب لفهمان أن يقول، أم في أنّ مشاعرهنّ كانت أضعف من مستحضرات التجميل! أوحت إليّ تلك الروايات بأنّ الحبّ لا بدّ أن تصاحبه عقبات وأسرار ورحيل مفاجئ ولقاءات درامية. أمّا الرجل الذي يتّصل في الموعد المتّفق عليه ويتذكّر عيد ميلاد حبيبته، فقد يبدو، وفق معاييرها، غير رومانسيّ بما يكفي. كان البطل الحقيقي ذاك الذي يجعلني أشكّ في كلّ شيء، بما في ذلك سلامة قواي العقلية. يظهر حين أتوقّف عن انتظاره، ويرحل حين أبدأ في فهمه، ثم يعود عندما أقرّر نسيانه. ولو حدث ذلك في الواقع، لربّما استوجب الأمر شكوى بتهمة الاستحواذ التعسّفي على الحيّز الذهني! في الثالثة عشرة، كنت، مثل سواي، أخلط بين الحدّة والعمق، وأعتبر التعقيد دليلا على الحبّ. لم ندرك أنّ السعادة قد تكون أقلّ صخبًا وإثارة من نقيضها. لكنّ الروايات لم تكن معنيّة بتوعيتنا؛ كانت تريد ضمان مبيعاتها. كان سوء التفاهم النجم الحقيقي لروايات "رومان فوتو". يسمع أحدهم نصف جملة خلف باب، ويرى آخر ظلا في حديقة، ويتلقّى ثالث رسالة تنقصها الصفحة الأخيرة، فيقرّر الجميع أنّ حياتهم انتهت. لا أحد يسأل، ولا أحد يتّصل، ولا أحد يتحقّق. كانوا يعانون بإخلاص مواطن ينتظر منذ ثلاثة أشهر أن يختم موظّف حكومي معاملته! لِمَ لمْ يخطر ببالي أنّ استبدال هؤلاء الأبطال بشخصين عاقلين وهاتف واحد كفيل بإنهاء القصّة في أربع صفحات، وتقليص تكاليف الطباعة، وإجبار القارئات على البحث عن هواية أخرى؟ لكن أين المتعة في ذلك؟ قصّة ينسجم فيها الطرفان منذ البداية هي كارثة تجارية. والأجدر عندها أن تُنشر صورة لشخصين يتناولان إفطارهما بهدوء وسلام، ثم تُغلَق المجلّة! ولم تكن الأناقة في هذه الروايات مجرّد تفصيل عابر، بل كانت جزءًا من المؤامرة العاطفية. فالرجال يظهرون ببدلات أنيقة حتّى في أحلك لحظات حياتهم، كأنّهم تلقّوا خبر إفلاسهم من مصمّم أزياء يشرف شخصيًّا على أناقة الكارثة. أمّا البطلات، فيرتدين ملابس تصلح لاستقبال سفير، حتى حين يذهبن إلى المطبخ لشرب كأس ماء بعد صدمة عاطفية. لم أفهم يومًا كيف كانت شخصيات تعيش كلّ هذ