اتفاق القاهرة: هل كان شرًا لا بد منه؟ (الجزء الثاني) لم تكن التظاهرة ردّ فعل على الاشتباكات بل خُطّط لها مسبقًا بانتظار ذريعة تبرّرها التحضير لتظاهرة 23 نيسان 1969 ، ستبقى تلك التظاهرة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، وكانت من أهم الأسباب التي أوصلت إلى اتفاق القاهرة، فماذا جرى يومها؟ مع إطلالة ربيع ذلك العام، ارتفع صوت القيادات المسيحية رفضًا لما يجري، وكان صوت الشيخ بيار الجميل الأعلى، فأصدر عدة بيانات مناشدًا قيادة الثورة الفلسطينية أن تتدبّر أمرها مع قيادة الجيش، وفي صورة سرّية لا ترتّب على الدولة أعباء ومسؤوليات، مؤكّدًا أنه من أنصار الثورة الفلسطينية والعمل الفدائي، ولكن ليس على هذه الصورة، فالعمل الفدائي يجب أن يكون مثل الشبح، لا يظهر للعيان ولا يدلّ على نفسه، وبالتالي لا ضرورة لهذه القواعد العسكرية المكشوفة في الجنوب وعلى الحدود، ولم يفُته التذكير بأن مقاومة إسرائيل تكون من داخل الأراضي المحتلة وليس من الخارج. رغم كل النداءات، تزايدت الاشكالات بين الجيش والمنظمات الفلسطينية المتسللة من سوريا، وتزايدت التحرشات الفلسطينية بقوى الأمن ودارت اشتباكات كان أعنفها ما شهدته دير ميماس الجنوبية الثلثاء 15 نيسان، حين تصدى الجيش لمجموعة فلسطينية مسلحة كانت تسللت من سوريا. السبت 19 نيسان، وقعت صدامات أخرى في العديسة والخيام الجنوبيتين، أدّت إلى إصابات عديدة، ورافقت هذه الاشتباكات صدامات بين قوى الأمن والعناصر الفلسطينية عند أطراف عدة مخيمات. الثلثاء 22 نيسان، تجددت الاشتباكات فجأة في عدة قرى جنوبية: الخيام، الجميجمة، خربة سلم، كفرشوبا، حانين، وبيت ليف، وكأن يدًا خفية تحرك ما يجري. يقول جوزف أبو خليل: لم تكن تظاهرة 23 نيسان وليدة ردّ فعل على بعض الاشتباكات، بل كان مخطّطًا لها من قبل، بانتظار حدث يبرّرها، وكانت قد تتالت الاصطدامات شبه اليومية، في تخطيط فلسطيني واضح لجرّ السلطة اللبنانية إلى الاصطدام. كان واضحًا أن هدف الفلسطينيين افتعال مواجهة شاملة مع السلطة اللبنانية، بهدف فتح ملف الوجود الفلسطيني وجعله قضية لبنانية خلافية. حول ظروف تلك التظاهرة يقول جورج حاوي: مطلع نيسان توجه إلى الأردن وفد شيوعي، ضم جورج بطل وعلي عبد وجورج حاوي، وعقدوا اجتماعات مع ياسر عرفات، خلصوا إلى نتيجة أنه آن أوان تعديل طبيعة الوجود الفلسطيني السياسي والعسكري في لبنان، من هنا كان القرار بإعداد تظاهرة كبرى في بيروت، وشكلت لجنة سميت "لجنة دعم فتح" مهمتها التخطيط للتظاهرة، وكان المسؤولان فيها ممثل "فتح" في لبنان يحيى حمدان وتوفيق الصفدي. في تلك الفترة، رمت المقاومة الفلسطينية بثقلها في لبنان بعدما كانت ترى بوادر صعوبات في الأردن وتستشفّ صراعًا حادًا لا تطمئن إلى نتائجه هناك، وكانت المخيمات الفلسطينية في لبنان تشهد تحوّلات كبرى، فوهج الثورة يتصاعد، والوهج التقليدي الذي يسيطر على المخيمات بدأ يعاني أزمة، وكانت الشعبة الثانية في الجيش تتحكّم بالمخيمات تحكّمًا أمنيًا هائلا، بينما تتحكّم البرجوازية اللبنانية بسعر اليد العاملة الفلسطينية في أعمال البناء والصناعة. عدنا إلى بيروت، وشبح الأزمة يخيم، ونشأت موجة من اليسار المغامر قوامها بعض الذين تركوا الحزب الشيوعي عام 1965 وما بعد، وما كان يسمى منظمة لبنان الاشتراكي التي أصبحت منظمة العمل الشيوعي، إضافة إلى تيارات يسارية وحركة القوميين العرب التي تحولت إلى أقصى اليسار، إضافة إلى "لجان مساندة فتح" التي ضمت شبانًا لبنانيين متحمسين للثورة الفلسطينية، وكانت كل هذه التشكيلات تأتمر بأمر يحيى حمدان وتوفيق الصفدي، وكان الحزب التقدمي الاشتراكي ممثلا بمحسن دلول يشارك في هذا الائتلاف، وكان جو المزايدات يطغى والحزب الشيوعي متهم بالموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 بسبب موافقة الاتحاد السوفياتي عليه، ومتهم أيضًا بمسايرة الرئيس رشيد كرامي وباللاثورية، وأن الحزب يقول إن دعم العمل الفدائي في لبنان هو ركن من أركان النضال الوطني وليس الركن الأساسي والوحيد، فهناك قضايا نضال العمال والفلاحين والنضال الديمقراطي. وراحت التنظيرات تنصب على قضية دعم المقاومة الفلسطينية، وعندما بدأ التصادم في مناطق الحدود مع سوريا بفعل قدوم طلائع العمل الفلسطيني المسلح، بدأت الأجواء تتوتر، وخرجت التظاهرات وكلما كان يسقط شهيد من شهداء الثورة في الأرض المحتلة أو بفعل قمع السلطة اللبنانية كان عشرات الألوف من اللبنانيين ينزلون إلى الشوارع في حال غضب حقيقية ضد السلطة، الأمر الذي يزيد الأزمة احتدامًا داخل لبنان. وعلى خط آخر، كانت نضالات العمال في معمل غندور وفي القطاعات العمالية الأخرى ونضال الفلاحين، خصوصًا تحركات عمال التبغ التي أدت لاحقًا إلى مجزرة النبطية في بدايات تفاعلها". يتابع حاوي: "تكثفت الاجتماعات تحضيرًا للتظاهرة، وعقدت سلسلة اجتماعات حضره