نتنياهو يقف أمام خيارات مختلفة (رويترز) بين التوقّعات الانتخابية والنتائج الفعلية مسافة قد تقلب الحسابات السياسية. وهذا ما تعيد الانتخابات الإسرائيلية التذكير به، ليس فقط بشأن دقة استطلاعات الرأي، بل أيضًا بشأن الطريقة التي يتعامل بها الإعلام مع نتائجها. بالفعل، قبل أن تُحسم النتائج، كان بنيامين نتنياهو قد خسر الانتخابات في جزء كبير من التحليلات والتغطيات الإعلامية. هكذا على الأقلّ بدت الصورة خلال الأسابيع الماضية، بعدما أشارت استطلاعات الرأي إلى احتمال تحقيق المعارضة الإسرائيلية، بقيادة غادي آيزنكوت، تقدّمًا قد يُنهي هيمنة نتنياهو السياسية. ولم يقتصر النقاش على فرص خسارته، بل ذهب أبعد من ذلك، إلى البحث في شكل إسرائيل بعد نتنياهو، وما قد يعنيه خروجه من السلطة بالنسبة إلى المنطقة. لكن ما أظهرته صناديق الاقتراع لم يتطابق تمامًا مع الصورة التي رسمتها التوقّعات. فبحسب النتائج الأولية، تقدّم معسكر نتنياهو على معسكر آيزنكوت، من دون أن يتمكّن أيّ منهما من بلوغ عتبة الـ 61 مقعدًا اللازمة لتأمين غالبية في الكنيست. وهنا يبرز سؤال يتجاوز نتيجة الانتخابات نفسها: هل أخطأت استطلاعات الرأي، أم أن المشكلة كانت في الطريقة التي قرأها بها المحلّلون ووسائل الإعلام؟ تبدأ المشكلة عندما يتحوّل الاحتمال إلى يقين. فاستطلاعات الرأي، مهما بلغت دقّتها، تبقى مؤشّرات إلى توجّهات الناخبين في لحظة معيّنة، وليست نتائج نهائية. وهي تتأثّر بعوامل عدّة قد تُغيّر خيارات الناخبين في الأيام الأخيرة، فضلًا عن تعقيدات توزيع المقاعد في النظام الانتخابي الإسرائيلي. لكن هذه التحفّظات كثيرًا ما تغيب عن التغطية الإعلامية. فتتحوّل أفضلية محدودة في استطلاع إلى تقدّم ثابت، ثمّ إلى انتصار مرتقب، قبل أن يبدأ الحديث عن تداعيات سقوط حكومة لم تسقط بعد. وهنا تكمن خطورة الانتقال من قراءة الأرقام إلى بناء استنتاجات سياسية تتجاوز ما تسمح به تلك الأرقام. أمّا الخطأ الآخر، فهو الاعتقاد بأنّ نجاح خصوم زعيم سياسي في حشد المعارضة ضدّه يعني بالضرورة اقتراب نهايته السياسية. صحيح أن نتنياهو يواجه معارضة داخلية حادة، لكن الاعتراض على رئيس حكومة لا يعني تلقائيًّا وجود بديل قادر على تولّي السلطة. فقد تُحقّق المعارضة تقدّمًا انتخابيًّا من دون أن تتمكّن من تشكيل حكومة. وفي نظام سياسي يقوم على الائتلافات، كما هي الحال في إسرائيل، لا يكفي احتساب المقاعد التي يحصل عليها كلّ معسكر. فالحسابات لا تكتمل إلّا بمعرفة من يستطيع جمع الغالبية اللازمة للحكم، وهي مسألة قد تكون أكثر تعقيدًا من نتائج الاقتراع نفسها. أمّا عند النظر إلى التغطية الإعلامية اللبنانية، فنلاحظ أنّه على مدى أيّام، بدا أن هزيمة نتنياهو لم تعد مجرّد احتمال انتخابي، بل نتيجة منتظرة. ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان سيخسر، بل ما الذي سيترتّب على خروجه من السلطة، وكيف سينعكس ذلك على إسرائيل والمنطقة. كما بدا أحيانًا أن بعض التحليلات تجاوزت قراءة الاستطلاعات إلى التعامل مع نتائجها المتوقّعة كأنّها واقع سياسي قائم. لكن ماذا يحدث عندما تأتي المعطيات مخالفة لهذه التوقّعات؟ هل تُراجع التقديرات السابقة بوضوح، أم تُستبدل رواية بأخرى من دون التوقّف عند أسباب الخطأ؟ ليس مطلوبًا من الإعلام أن يصيب في كلّ توقّع. لكنّ المطلوب هو التمييز بين ما تشير إليه المعطيات وما يرغب البعض في أن يحدث. وثمّة فرق بين القول إنّ استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع موقع سياسي ما وإمكان هزيمته، وبين تقديم هذه الهزيمة على أنها مسألة وقت. لا تقتصر هذه المشكلة على الإعلام اللبناني، ولا على الانتخابات الإسرائيلية. فمن الولايات المتحدة إلى أوروبا والشرق الأوسط، كثيرًا ما تتحوّل التوقّعات السياسية إلى روايات يصعب التراجع عنها. فالهدف ليس الدفاع عن نتنياهو، بل التذكير بأن الحكم على مصير أيّ زعيم سياسي يجب أن يستند إلى الوقائع. في السياسة، كما في التحليل الاستخباراتي، لا يكمن الخطر الأكبر في قراءة الأرقام بصورة خاطئة، بل في الاقتناع برواية إلى حدّ تجاهل كلّ ما يناقضها. فالانتخابات لا تُحسم باستطلاعات الرأي أو التحليلات الإعلامية، بل بصناديق الاقتراع.