في بلدٍ تتداخل فيه الأزمات الأمنية والسياسية والمعيشية، يفترض بالحكومة أن تعرف كيف ترتّب أولوياتها، وأن تميّز بين ملفّ يمكن تأجيل معالجته أيامًا، وقضية قد تتصل بأمن الدولة وسلامة المواطنين وسيادتها. لكن ما جرى في مجلس الوزراء يطرح سؤالا مشروعًا: كيف تُخصَّص جلسة حكومية كاملة لمعالجة النفايات، فيما يُترك ملف متفجرات شاحنة ضهر البيدر معلّقًا، من دون حسم طلب إحالته إلى المجلس العدلي؟ لا أحد يقلّل من خطورة أزمة النفايات، ولا من تداعياتها الصحية والبيئية، لكن معالجة النفايات لا ينبغي أن تتحوّل إلى ذريعة لتهميش قضية أمنية من مستوى مختلف تمامًا، بعدما ضُبطت شحنة متفجرات في ضهر البيدر في الخامس من هذا الشهر، وأُعلن لاحقًا عن ضبط مواد مرتبطة بالملف في منطقة القصر على الحدود مع سوريا. النائب عن "حزب الله" حسن فضل الله أقرَّ بأن الشحنة تعود إلى "حزب الله"، وبأنها كانت موجّهة، بحسب قوله، ضد إسرائيل. وهذه الوقائع تستوجب تحقيقًا قضائيًا شفافًا، يحدّد المسؤوليات والوجهة الفعلية للشحنة، بعيدًا من أي استنتاجات مسبقة. المشكلة لا تكمن في معالجة النفايات، بل في الرسالة التي يوجّهها ترتيب الأولويات. فعندما تتمكّن الحكومة من تخصيص جلسة لموضوع خدماتي، فيما يبقى طلب وزير العدل عادل نصّار إحالة قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي من دون قرار نهائي، يبدو كأن الحكومة تتعامل بتوجس مع ملف يمسّ أمنها وأمن المواطنين، فيما تتعامل بجدية مع ملف آخر، على أهميته، لا يحمل الأبعاد الأمنية والسيادية نفسها. وقد سبق لمجلس الوزراء أن قرر متابعة البحث في الإحالة، في انتظار تقدّم التحقيقات، مؤكدًا خطورة القضية وضرورة استمرار التحقيق من دون قيود خارج سقف القانون. لكن التريّث لا يجوز أن يتحوّل إلى تأجيل مفتوح، ولا أن يصبح مدخلا لتسوية سياسية على حساب المساءلة. المطلوب ليس استباق القضاء أو إصدار أحكام بحق أي جهة، بل ضمان ألا يكون أحد فوق القانون، وألا تتحوّل الاعتبارات السياسية إلى حاجز أمام كشف الحقيقة. فإحالة الملف إلى المجلس العدلي، ينبغي أن تُبحث وتُحسم على أساس خطورتها ، وهذا مثبت، لا على أساس موازين القوى. إن النفايات مشكلة يومية، أما المتفجرات فمسألة أمن وطني وسيادة وقرار حرب وسلام. ومن حق اللبنانيين أن يسألوا حكومتهم: لماذا لا تُعطى هذه القضية الأولوية التي تستحقها؟ فالدولة التي تعجز عن حسم ملف أمني بهذا الحجم تخاطر بفقدان ثقة مواطنيها. المتـفجرات أهم من النفايات، ليس لأن النفايات غير مهمة، بل لأن أمن اللبنانيين وسيادة دولتهم لا يحتملان التأجيل.