لبنان دولة القانون لا دولة السلاح: استعادة السيادة الوطنية وحسم معركة الأمن والسلطة 30 تشرين الأول 2026 · 01:06 ص قراءة في 7 دقائق حجم الخط د. حسين محمود رمال* لبنان دولة مؤسسات، ولا يحتاج في سبيل إنقاذ دولته إلى ما هو خارق للعادة، ولا إلى اختراع نظام سياسي جديد؛ ما يحتاجه هو أن تستعيد الدولة وظيفتها الأصلية: تطبيق القانون على الجميع، وحماية الإنسان، وصون الأمن، وفرض النظام العام، وحصر القوة المسلحة في الإطار الذي يقرره القانون. فالدولة لا تُقاس بعدد النصوص التي تملكها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك النصوص إلى واقع نافذ لا يستثني قوياً ولا يحابي جماعة ولا يخشى نفوذاً. وحين يصبح القانون قابلاً للتفاوض، تتحول الدولة من سلطة عامة إلى مجرد طرف بين أطراف. الدولة الحديثة تقوم على قاعدة جوهرية لا تحتمل التأويل: أن تكون السلطة العامة صاحبة الاختصاص في حفظ الأمن وإنفاذ القانون وحماية الأشخاص والممتلكات. ولا يمكن لدولة أن تدّعي سيادتها بينما توجد داخل إقليمها جماعات مسلحة أو بؤر أمنية تتصرف كأنها صاحبة سلطة مستقلة، أو أحياء تتحوّل إلى مناطق مغلقة في وجه القانون، أو أفراد يفرضون على الدولة شروطهم بقوة السلاح. ليس مقبولاً أن يصبح هذا الزقاق أو ذاك فوق سلطة الدولة، ولا أن يتحول المسلح المنفلت إلى صاحب قرار في حياة الناس، ولا أن يعيش المواطن تحت رحمة «زعران» يقطعون الطرق، ويعتدون على المارة، ويسلبون الممتلكات، ويروعون السكان، سواء كانوا لبنانيين أو مقيمين أو وافدين. فالجريمة لا تكتسب شرعية بسبب هوية مرتكبها، كما أن الضحية لا تفقد حقها في الحماية لأنها ليست من البيئة السياسية أو الاجتماعية ذاتها. الدولة العادلة لا تسأل المعتدى عليه عن طائفته قبل أن تحميه، ولا تسأل المعتدي عن نفوذه قبل أن تحاسبه. احتكار القوة العامة ليس شعاراً سياسياً، بل هو من صميم فكرة الدولة. فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تمنع مواطناً من حمل السلاح خارج الحالات التي يجيزها القانون، ولا تستطيع توقيف المعتدي، ولا تستطيع حماية الطريق العام، فإنها تتنازل عملياً عن جزء من وظيفتها الأساسية. ومن هنا يجب أن تتخذ الدولة اللبنانية قراراً استراتيجياً واضحاً بحصر السلاح في الإطار الذي يسمح به القانون، وتجريد كل من يحمل سلاحاً بصورة غير مشروعة منه، أياً تكن صفته أو منطقته أو انتماؤه. ولا ينبغي أن يكون هذا الإجراء انتقائياً؛ لأن انتقائية الدولة في تطبيق القانون أخطر من عجزها المؤقت عن تطبيقه، إذ إنها تجعل القانون نفسه أداة للتمييز. وإذا اقتضى تنفيذ القانون استعمال القوة، فإن القوة المشروعة للدولة يجب أن تكون حاضرة، ولكن في حدود الضرورة والتناسب وتحت رقابة القانون والقضاء. فالدولة لا تستعيد هيبتها بتحويل الشارع إلى ساحة انتقام، وإنما بإظهار أن القوة العامة لا تُمارس إلّا باسم القانون ولحماية الإنسان. لا يمكن إغفال الواقع الاستثنائي المتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، لأن معالجة مسألة السلاح في ظل الاحتلال ليست مطابقة لمعالجتها بعد اكتمال التحرير والسيادة. فمقاومة الاحتلال تجد أساسها في قواعد القانون الدولي ذات الصلة بمواجهة الاحتلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولا يجوز أن يُستخدم وجود الاحتلال ذريعة لإسقاط هذا الاعتبار. غير أن الاستثناء يجب أن يبقى مرتبطاً بسببه القانوني والواقعي، لا أن يتحوّل إلى مبرر دائم لتعدد السلطات المسلحة. والمطلوب ليس إلغاء الدولة باسم المقاومة، ولا إلغاء المقاومة باسم الدولة، وإنما بناء معادلة وطنية وقانونية واضحة تنتهي، بانتهاء الاحتلال، إلى حصر القوة المسلحة في مؤسسات الدولة الشرعية. فالدولة التي تعرف كيف تعالج الاستثناء بالحكمة تستطيع أن تنهي الاحتلال من دون أن تسمح بتحول الاستثناء إلى نظام دائم داخل المجتمع. لقد بلغ الأمر حداً لم يعد يحتمل الصمت: الاعتداء على الناس في الطرقات، والسرقات، وإطلاق النار، وقطع الطرق، وفرض الخوات، وترويع السكان، ومظاهر السلاح غير الشرعي ليست تفاصيل أمنية عابرة. إنها اعتداء مباشر على الدولة نفسها. فمن يعتدي على المارة لا يعتدي على فرد فقط؛ إنه يختبر قدرة الدولة على حماية مواطنيها. ومن يقطع الطريق العام يختبر سلطان القانون. ومن يحمل السلاح خارج القانون يختبر من صاحب القرار النهائي في الإقليم الوطني. ولهذا ينبغي أن تخوض الدولة معركة حقيقية ومنظمة ضد جميع مظاهر السلاح المنفلت والجريمة المنظمة وقطاع الطرق، من دون تردد أو حسابات مناطقية أو سياسية. وليس من وظيفة المواطن أن يتفاوض مع المعتدي على حقه في المرور الآمن، ولا أن يبحث عن وسيط يحميه من جريمة ارتكبت بحقه. الدولة هي الوسيط الوحيد، والقانون هو المرجعية الوحيدة، والقضاء هو الطريق الوحيد إلى العدالة. تحتاج الدولة إلى قرار مؤسسي لا إلى حملات