"إذا واصلت على هذا المنوال، فستجد نفسك على كرسي متحرك عندما تبلغ الثلاثين من العمر". هذا ما قاله الأطباء للعدّاء البريطاني للمسافات الطويلة جاك سميث قبل أربع سنوات. من الخارج، كانت مسيرته الرياضية تسير على نحو مثالي؛ ففي سن الثالثة والعشرين، وقّع عقداً احترافياً مع شركة "نايكي"، ومثّل بريطانيا العظمى على الساحة الدولية. لكن جسده، في الوقت ذاته، كان يتدهور تدريجياً، وسط حلقة مفرغة لا تنتهي من السباقات والمرض والإصابات، ثم العودة إلى السباقات من جديد. أدّى الجمع بين برنامج تدريبي مكثف واضطرابات في الأكل إلى عودة سميث، البالغ اليوم 28 عاماً، من معسكر تدريبي في أوغندا بوزن لا يتجاوز ثمانية أحجار، أي نحو 51 كيلوغراماً، وطول يبلغ 1.7 متراً. وأصبحت عظامه هشّة إلى درجة دفعت الأطباء إلى تحذيره من احتمال انتهاء مسيرته الرياضية. وبعد تعرضه لكسرين إجهاديين خلال أربعة أشهر فقط، قرر سميث طلب المساعدة المتخصصة، فشُخّصت حالته بمتلازمة "نقص الطاقة النسبي في الرياضة"؛ ويمكن لهذه المتلازمة أن تصيب أي شخص. وإذا لم تُشخّص أو تُعالج، فقد تؤثر سلباً في الأداء الرياضي وتتسبب في مشكلات صحية خطيرة وطويلة الأمد. وتحظى أعراض هذه الحالة لدى النساء بتوثيق أكبر نسبياً. ففي الشهر الماضي فقط، كشفت لاعبة التنس إيما نافارو عن إصابتها بالمتلازمة، وقرارها الابتعاد عن المنافسات حتى عام 2027. لكن الرجال معرضون للإصابة بها بالقدر ذاته. وبسبب الوصمة الاجتماعية وغياب العلامات التحذيرية الواضحة في كثير من الأحيان، قد تمر الحالة من دون اكتشاف لفترة أطول، ما يجعل كثيرين، مثل سميث، يعانون بصمت. ما هي متلازمة نقص الطاقة النسبي في الرياضة (RED-S)؟ قد تتسبب متلازمة نقص الطاقة النسبي في الرياضة في إصابات الإجهاد العظمي، واضطرابات النوم، والإرهاق، وتراجع الحالة المزاجية. وإذا تُركت من دون علاج، فقد تؤدي إلى مشكلات صحية خطيرة على المدى الطويل، من بينها هشاشة العظام وأمراض القلب والأوعية الدموية ومشكلات الخصوبة، بحسب ما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية "BBC". وتوضح الدكتورة نيكي كاي، المتخصصة في صحة الهرمونات، أن كثيراً من هذه الأعراض ينتج من اضطرابات هرمونية ناجمة عن عدم الحصول على كمية كافية من الطاقة. وتقول: "تؤثر الهرمونات في كل جزء من أجزاء الجسم. لذلك، عندما لا تعمل الهرمونات على نحو سليم، ستشعر بتأثير ذلك في جوانب مختلفة من صحتك". وتضيف: "لكي تعمل الهرمونات بصورة صحية، يجب تزويد الجسم بالطاقة بانتظام. وإذا لم يحدث ذلك، ووجد الجسم نفسه في حالة عجز في الطاقة، فقد تتباطأ بعض الأنظمة الهرمونية، أو تتوقف تماماً عن العمل". كيف تختلف أعراض نقص الطاقة النسبي بين الرجال والنساء؟ تتمتع النساء بمؤشر شهري يساعد في متابعة صحتهن الهرمونية، وهو الدورة الشهرية. وببساطة، توضح بأن الدورة الشهرية لدى المرأة المصابة بمتلازمة نقص الطاقة النسبي قد تتوقف تماماً. أما لدى الرجال، فتكون العلامات أقل وضوحاً، إذ تنخفض مستويات هرمون التستوستيرون، ما يؤدي إلى تراجع الرغبة الجنسية والشعور بالإرهاق. وكان تأثير الحالة في الدورة الشهرية لدى النساء سبباً في إطلاق اسم "الثالوث الرياضي الأنثوي" عليها في أوائل تسعينيات القرن الماضي. لكن اللجنة الأولمبية الدولية أعادت تسميتها عام 2014، للاعتراف بنطاق أوسع من أعراض نقص الطاقة، والإقرار بأن الحالة تؤثر أيضاً في الرياضيين الرجال. وتقول كاي: "أدركنا أننا كنا نتجاهل نصف السكان. إنه أمر غريب، لأن صحة المرأة هي عادةً الجانب الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي. لكن الرجال هم الذين لم يتم الاعتراف بمعاناتهم أو تمثيلهم في هذه الحالة"، بحسب ما نقلت "بي بي سي". وبعد مرور 12 عاماً على تغيير التسمية، يبدو أن القرار كان في محله، إذ تشير أبحاث حديثة إلى مدى انتشار الحالة بين الرجال. فقد أظهر تحليل تلوي، نُشر العام الماضي في مجلة "سبورتس ميديسن" الأسترالية، واستند إلى دراسة شملت آلاف الرياضيين المحترفين والهواة حول العالم، أن 44.2% من الرياضيات و49.4% من الرياضيين الرجال يعانون من انخفاض توافر الطاقة. العداء البريطاني جاك سميث. (حساب سميث على إنستغرام) لماذا تنتشر متلازمة نقص الطاقة في الرياضة؟ يكمن أحد أسباب انتشار الحالة في العبارة الشائعة: "كلما انخفض الوزن، زادت السرعة". فعلى مدى عقود، سادت هذه الفكرة في رياضات مثل الجري لمسافات طويلة، وركوب الدراجات، وتسلق الجبال، والفروسية، والرقص، والرياضات التي تعتمد على المظهر الجسدي، مثل الغطس والجمباز. وبالنسبة إلى رياضيين مثل سميث، كانت هذه الفكرة بداية المشكلة. ويقول: "آمنت بهذه الفكرة لسنوات. كنت أعتقد أنها الطريق إلى التقدم. بدأت أفكر في كيفية تحسين رقمي في نصف الماراثون بعشر ثوانٍ، وتساءلت إن كان خفض وزني هو الح