متى نصوّب مفهوم العمل الدعوي في لبنان ليعود الداعية... داعيةً..؟! 30 تشرين الأول 2026 · 12:30 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط تعتبر الدعوة إلى الله تعالى منظومة علم وفكر وأخلاق وتوعية كاملة متكاملة، تهدف إلى رفعة المجتمع في مختلف المجالات، فهي تسعى إلى ترسيخ القِيَم والأخلاقيات الصحيحة المستمدّة من رقيّ الشريعة الغرّاء في نفوس الناس وفكرهم، ليكونوا بدورهم نماذج مشرّفة تعكس حضارة هذا الدين العظيم، ولكن هذه الدعوة لا بد لها من دعاة يمارسون أدوارهم المطلوبة منهم كما أمر الله تعالى في كل مجالات المجتمع وإلّا فقدت هذه الدعوة آثارها في الحياة. متى يعود مسار الدعوة الإسلامية في لبنان إلى ما هو مطلوب منه ليكون من أول أسباب تحقيق الوعي المجتمعي في بلادنا؟! فالناظر بعين التدبّر اليوم إلى مجتمعنا، يرى كثيرا من الدعاة قد انحرفوا عن حقيقة دورهم إلى أمور أخرى ليست من اختصاصهم، وهي أمور أخذت من جهدهم ومن أوقاتهم التي لا بد أن تكون مخصصة لممارسة دورهم التوعوي، وبالتالي فقدوا فعاليتهم في المطلوب الأساس وبرزوا فيما ليس من المطلوب أن يبرزوا فيه!؟ ولعلّ أول أسباب هذا الأمر هو الخلل الذي أصاب «مفهوم الداعية» في بلادنا، أو بصيغة أوضح (هو الخلل الذي يُراد له أن يترسّخ في مجتمعنا)..؟! فالداعية رجل له مهمة عظيمة وجليلة وهي الدعوة إلى الدين الحق والتوعية في مختلف مجالات الحياة، وعليه فإن المراد منه هو أن يتفرّغ لهذا المطلب وأن ينمّي قدراته العلمية والثقافية خدمة لرسالته ولدعوته. الداعية ليس رجل سياسة... ولا رجل مجتمع «بالمفهوم اللبناني».. ولا رجل «حروب إعلامية».. ولا رجل «بحث عن أخطاء الآخرين»... ولا «تابع مطبّل» لزعيم أو مسؤول، وأيضا هو ليس رجلا مطلوب منه الحضور في كل الندوات ليكون أشبه «بغطاء ديني» لهذه الفعالية، بل هو رجل صادق يسعى لحسن بناء المجتمع الصالح، فإن عجز عن حسن بناء نفسه ضاع الهدف المنشود.. أقول هذا الكلام لأن ما نعيشه من حالة الانحدار الشامل في مختلف مجالات الحياة في لبنان أصبح فوق طاقة كل إنسان، هذه الحالة الإبليسية من الجشع والغلاء وانعدام الأخلاق وضياع الأمن واضطراب التعليم وانكسار الإنسانية وسيطرة الفوضى وظلم المواطن واختفاء المحاسبة والمراقبة. حالة تنذر بانهيار وشيك للمجتمع بكل أموره، ومع ذلك لا نرى كثيرا من الدعاة إلّا في كراسي الصفوف الأولى لفعاليات لا تغني ولا تسمن من جوع، وكأنهم أتوا «لمباركة» تلك الجلسات بينما «أبلسة» المجتمع تعمل فينا ليل نهار.. هل يعلم الدعاة بنسب الارتفاع المخيفة في حالات الطلاق في بلادنا؟! وإن علموا فهل بحثوا عن الأسباب وعملوا لمعالجتها...؟! هل يعلمون كم أصبح تعاطي المخدرات سهلا بين صفوف شبابنا وسعوا إلى التحرك لمنع هذه السلبية..؟ هل وصل إلى مسامعهم أخبار آلاف الأطفال الذي عجزوا أهلهم عن إلحاقهم بالمدارس، وبالتالي سيكون مصيرهم الشارع؟!.. هل علموا سيطرة الجمعيات الدينية الكثيرة على فكر الناس ومفاهيمهم، وأن كل جمعية «تغنّي على ليلاها»؟! ألا يستدعي كل ما سبق (وهو بعض يسير مما يعاني منه المجتمع) إعلان حالة «طوارئ دعوية» تستنفر كل الطاقات وتسخر كل الجهود في محاولة لإنقاذ ما تبقّى من «مجتمع لبناني»..!؟ أعلم أن الداعية عندنا يعاني كأي مواطن لبناني، وأعلم أن على المعنيين دعمه ليكون قادرا على ممارسة مهامه، ولكن أتحدث عن المبدأ الذي ترسّخ في نفوس الكثيرين حتى أصبح حالة عامة سائدة في بلادنا ساهمت بممارسة الداعية لكل الأدوار.. إلّا ممارسة دوره كداعية..؟! إن ما نراه من انحراف مسار الدعوة في بلادنا قد ساهم في اتّساع الهوة بين الناس وبين الدعاة حتى أصبحت نظرة التشكيك بالدعاة أساسا في عين كل مواطن، فكيف إن كان هذا الاتساع يتلصّص في بلادنا على مرأى ومسمع من الجميع.. ولا أحد يريد التحرّك..؟! انظروا من حولكم في شتى أنشطة الحياة ثم احكموا بأنفسكم.. ستجدون أن أثار عدد كبير من الدعاة في بلادنا بات بين خيارين لا ثالث لهما.. وإما تحوّلت إلى «جهل» ارتدى ثوب العلم زورا وبهتانا، فزاد الانقسام في المجتمع وحوّل قائله من «داعية» إلى «مدّعٍ»..!!