أسوأ ما في الأزمة الإيرانية بالنسبة لدونالد ترامب، أنها تراوغه مرتين، فلا هو يربحها، ولا هي تتجنبه، بينما تهدأ نارها تارة، وتستعر تارة أخرى، من دون أن تدع له فرصة ادعاء الانتصار النهائي فيها. في الطريق إلى طور المواجهة الأميركية الكبرى مع الأزمة الإيرانية، تستعر نيران حروب على هامش الأزمة، أو من مستلزمات إدارتها، نرى فيها تصعيداً من الحوثيين على الجبهة السعودية، لا يدع أدنى فرصة لتهدئة حقيقية، حتى يذهب الظن بالمراقب حد الاعتقاد بأن ملف الحرب بين السعودية وبين الحوثيين هو الأصل، وأن ملف الأزمة الإيرانية-الأميركية بات أحد فروعه. مستوى التصعيد بين السعودية وبين الحوثيين، يوشك باتساعه، أن يخلق حرباً مستقلة بدواعيها، وبمجرياتها، وبخارطة تحالفاتها، وبمآلاتها، بل إنه يكاد يسرق الاهتمام من الملف الأصلي، وهو ملف تطويع سياسات طهران لاشتراطات ومتطلبات التعايش في الإقليم. في مثل هذه الصراعات الكبرى، وعند المنعطفات الرئيسية فيها، لا ينبغي أن نفقد البوصلة، فالمعركة الرئيسية هدفها ترويض طهران، ومساعدتها على الوفاء باشتراطات التعايش السلمي مع الإقليم، ما يقتضي التركيز على سبل نزع القدرات النووية غير السلمية، والحد من نمو القدرات الصاروخية، سواء من حيث المدى، أو من حيث الشدة. هدف ترويض طهران، يعكس روحاً عملية تستوعب حقيقة أن الجوار الجغرافي من الحتميات التي يتعين على كل الجوار التعايش معها، بل ومأسستها، ودعمها، وتنميتها، ووضع ضوابط وضمانات لاستدامتها، لكن هذا الهدف قد يبتعد، أو يراوغنا، إذا انشغلنا عنه بمعارك جانبية، تكبر كلما استسلمت أطرافها لدواعي التصعيد ومنطق التحدي. الطريق إلى ترويض طهران، يمر حتماً بمعالجة الملف اليمني، والتعاطي مع الملف اليمني يقتضي بالضرورة، العمل على استعادة اليمن إلى الفلك العربي، الأمر الذي يقتضي بدوره تنقية الأجواء العربية، داخل البيت الخليجي الذي توشك جدرانه أن تنهار فوق رؤوس أربعين عاماً من محاولات تعزيز اللحمة الخليجية، وبناء البيت الخليجي. دعونا نعترف أن الخليج على ما حقق من نهضة في مسيرته الموحدة، قد تجاهل اليمن، وربما نسي في لحظة انتشاء بالثروة، أن يضع اليمن تحت سقف الخليج، وليس إلى جانب جدار متداع من جدرانه. دعونا نعترف أيضاً، أن نظاماً إقليمياً خليجياً موحداً، يفسح مكاناً لليمن تحت سقفه الواحد، سوف يضع نهاية لكل عقد التمييز التي أنتجتها عقود من الإقصاء عانى خلالها اليمنيون مرارة الفقر والفاقة، وهوان التمييز، رغم ما لدى اليمن من مقومات الحضارة والنهوض. أتمنى على من يتابعون المشهد الراهن، بينما توشك تطورات القتال اليمني مع محيطه أن تزج بالمنطقة في آتون حرب يشعلها غياب المنطق وانحساره، أن يلتفتوا إلى حقيقتين لا مفر من الاعتراف بهما، والعمل انطلاقاً منهما. أما الحقيقة الأولى فمصدرها الجغرافيا، حيث لا تقبل الجغرافيا التبديل، وحيث يصبح احترامها والإقرار بتوابع حضورها وجوبياً. وأما الحقيقة الثانية، فهي أن هذا الجوار الجغرافي اللصيق، غير قابل للتغيير أو التبديل، فالتعايش مع حقائق الجوار، بكل ما تفرزه من خبرات التعايش أو التنافس، يصبح واجب الوقت وكل وقت. الخليج بخبراته التاريخية، كان مؤهلاً دوماً لاستيعاب حقائق الجوار، وحتمياته، ولهذا كانت حركته باتجاه الاتحاد، حكيمة، وواعية، فسارع مبكراً إلى هندسة إطار للاتحاد بين دوله الست، تجسد داخل إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وداخل هذا الاتحاد جرت على مدى سنوات، محاولات متأخرة، وخجولة، ومترددة، على هامش قمم لمجلس التعاون الخليجي، لدمج اليمن تدريجياً، بالمجلس، لكن مكاشفة يستدعيها غياب سقف للأزمة الراهنة، تقتضي الاعتراف، بأن تلك المحاولات، ظلت رمزية، فلم تكن جادة في أي وقت، بل إن من احتضنوها آنذاك ربما فعلوا ذلك من أجل لجم تلك المحاولات، أو تقييدها للحد من فرص نموها!. أعباء استعادة اليمن تحت المظلة الخليجية تظل مهما عظمت، أقل كلفة بكثير، من تركه مطية سهلة لمن يرومون امتطائه، وهم كثر سواء من داخل الإقليم أو من خارجه. أعرف، أن بينكم الآن من يظن أن الظرف الراهن قد تجاوز أي فرصة حقيقية لاستعادة اليمن إلى فضائه الخليجي، وأن الحديث عن التعاون والتنسيق والاندماج ضمن خليج واحد، هو الآن ضرب من الخيال، لا يليق بلحظة مواجهة بالسلاح بين جيران وأشقاء، لكن ثمة ضرورة لاستعادة الوعي بأهمية السقف الخليجي حتى لو كان رمزياً، ومهما بدا محدود الأثر في اللحظة الراهنة، ولعل من استخفوا في الماضي بالصور التذكارية السنوية لاجتماعات قادة الخليج، يدركون الآن كم كان التضامن حاضراً ولو بالرمز، وكم كانت القمم ببياناتها شبه المتكررة، عظيمة الأثر في توفير إطار ذهبي صلد لوحدة خليجية كانت مؤثرة، رغم رمزية أدواتها. ثمة متطلبات في اللحظة الراهنة يستدعيها الوعي بالمصلحة الوطنية، تستوجب العمل لت