"ليبانون ديبايت" – روزيت ملحم، مستأجرة قديمة ثمة سؤال بات يُطرح بإلحاح في الأشرفية وفي أحياء بيروت وجبل لبنان ذات الحضور المسيحي الواسع: أين “القوات اللبنانية” من قضية المستأجرين القدامى؟ وهل تدرك قيادتها أن بين المهددين اليوم بخسارة بيوتهم ناخبين ومناصرين قدامى لها، وأهالي أشخاص حملوا رايتها ودفع بعضهم أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب؟ السؤال ليس شعبوياً، ولا هو دفاع عن إيجارات بقيت لعقود بعيدة عن أي منطق اقتصادي. المستأجرون القدامى أنفسهم يقولون منذ سنوات إن الإيجارات القديمة لم تعد عادلة، وإن من حق المالك أن يحصل على بدل يتلاءم مع قيمة ملكه ومع الواقع الاقتصادي. لكن العدالة لا تكون بنقل الظلم من طرف إلى آخر، ولا بإلقاء مسنّ في الثمانين من عمره خارج منزل أمضى فيه خمسين أو ستين عاماً، لأنه عاجز عن تحمّل بدل إيجار جديد لا يتناسب مع دخله أو مدخراته أو واقع البلد المنهار. المشكلة أن الوقت لا يعمل لمصلحة هؤلاء. ففيما تتنقل اقتراحات تعديل قانون الإيجارات بين اللجان والاجتماعات والتأجيلات، تصدر أحكام إخلاء، ويعيش مئات المستأجرين تحت سيف الدعوى والمحكمة والخوف من الغد. وفي قلب هذا الملف يقف رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية، النائب جورج عدوان، أحد أبرز وجوه كتلة “القوات اللبنانية”. ناقشت اللجنة أخيراً اقتراحات تتعلق بالإيجارات القديمة، وأقرّ أعضاؤها بأن ثمة مشكلة حقيقية ناجمة، من بين أسباب أخرى، عن عدم إنشاء الصندوق الذي كان يفترض أن يشكّل جزءاً أساسياً من آلية حماية المستأجرين غير القادرين. كما أجمعت على ضرورة إيجاد صيغة تضمن الاستقرار السكني من دون أن تكون على حساب المالك. كم حكم إخلاء يجب أن يصدر قبل أن يتحول “مزيد من الدرس” إلى قرار؟ وكم مسناً يجب أن يحمل ملفه إلى المحكمة، أو يعجز أصلاً عن الوصول إليها، قبل أن يشعر النواب بأن كل أسبوع إضافي ليس تفصيلاً إجرائياً، بل قد يعني خسارة إنسان لبيته؟ وفي جلسة 27 تشرين الأول، كان ملف الإيجارات القديمة مدرجاً في صدارة جدول أعمال لجنة الإدارة والعدل، لكن اللجنة بدأت بمناقشة ملف آخر أضيف إلى الجدول، هو تنفيذ قانون العفو العام. لا أحد يقول إن الملفات الأخرى غير مهمة. لكن بالنسبة إلى رجل في الخامسة والثمانين ينتظر حكماً قد يخرجه من منزله، أي ملف أكثر إلحاحاً من سقف بيته؟ هنا تحديداً يصبح السؤال موجهاً إلى “القوات اللبنانية”، لا إلى جورج عدوان وحده. هل تعرف قيادة الحزب ماذا يجري على الأرض؟ تقول سيدة من الأشرفية، من عائلة عُرفت بتأييدها التاريخي لـ”القوات”: “هل هكذا تكافئ قيادتنا الناس الذين وقفوا معها كل هذه السنوات؟ هل يعرف سمير جعجع وستريدا جعجع ما يحصل باسم القوات؟” وتذهب شهادة أخرى إلى أبعد من ذلك. تقول إحدى ساكنات حي شعبي متوسط في الأشرفية إن مالك البناء الذي تقيم فيه أخرج، بحسب روايتها، ست عائلات من أصل تسعة مستأجرين قدامى، ليحل مكانهم مستأجرون سوريون. وتسأل بمرارة: “إذا كان هذا ما يحصل في قلب الأشرفية، فهل هذه هي خطة القوات لحماية الوجود المسيحي في لبنان؟” قد تكون لكل حالة ظروفها القانونية الخاصة، ولا يجوز تحويل رواية فردية إلى قاعدة عامة. لكن السؤال السياسي الذي تطرحه هذه الحالات مشروع: كيف يمكن لحزب يجعل من حماية الوجود المسيحي في لبنان عنواناً مركزياً في خطابه أن يقف متفرجاً فيما يفقد مسيحيون مسنون مساكن عاشوا فيها جيلاً بعد جيل؟ وأي معنى يبقى للحديث عن “الصمود في الأرض” إذا كان ابن الأشرفية أو الرميل أو فرن الشباك أو برج حمود عاجزاً عن البقاء في الشقة التي وُلد فيها؟ القضية ليست معركة بين المالك والمستأجر. والذين يحاولون اختصارها بهذه الثنائية يهربون من جوهر المشكلة. فالمالك أيضاً دفع ثمن انهيار الدولة، ومن غير المقبول أن يبقى بدل ملكه مبلغاً رمزياً لا قيمة له. لكن المستأجر أيضاً عاش انهياراً اقتصادياً غير مسبوق: رواتب فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية، وفرص عمل تراجعت، ومدخرات عمر عالقة في المصارف، فيما تكبر الكلفة الصحية كلما تقدم الناس في السن. فهل الحل أن يتحمل المسن وحده كلفة فشل الدولة؟ المستأجرون لا يطلبون السكن مجاناً. مطلبهم واضح: رفع عادل ومعقول للإيجارات، مرتبط بالواقع الاقتصادي وقدرة الناس الفعلية على الدفع، مع حماية جدية لكبار السن ومن لا يملكون مسكناً بديلاً. هذه ليست دعوة إلى مصادرة حقوق المالكين. إنها دعوة إلى أن تقوم الدولة أخيراً بالدور الذي تهربت منه طوال سنوات: أن توازن بين حق الملكية وحق الإنسان في السكن والكرامة. وهنا أمام “القوات اللبنانية” فرصة لاختبار شعاراتها بالفعل لا بالكلام. جورج عدوان يملك، من موقعه على رأس لجنة الإدارة والعدل، قدرة سياسية وتشريعية على دفع الملف إلى الأمام. وكتلة “القوات” تملك القدرة على جعله أولوية. أم يستمر