بعد أسبوع على الجولة الأخيرة من المحادثات الأمنية في مدينة تامبا الأميركية، لا تزال المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تدور في حلقة مفرغة، من دون تسجيل أي اختراق في الملفات الأربعة التي تشكّل جوهر المطالب اللبنانية: وقف الاعتداءات، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وترسيم الحدود، والإفراج عن الأسرى. هذا التعثر أعاد رئيس الجمهورية جوزاف عون التأكيد عليه خلال استقباله وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان، في موقف نقلته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، الخميس، ويعكس استمرار الهوة بين المطالب اللبنانية والشروط الإسرائيلية، رغم الوساطة الأميركية والجولات المتلاحقة من المحادثات. ففي الجولة الأخيرة من مباحثات تامبا، عرض الوفد اللبناني مطالبه المتعلقة بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وتنفيذ ترتيبات أمنية تتيح للجيش اللبناني بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. غير أن المحادثات لم تُفضِ إلى إعلان جدول زمني للانسحاب، أو آلية للإفراج عن الأسرى، أو تقدم ملموس في ترسيم الحدود ومعالجة المواقع التي لا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز فيها. وتكمن العقدة الأساسية في اختلاف مقاربة الطرفين. فإسرائيل تربط انسحابها بضمانات أمنية تتعلق بضبط السلاح ومنع النشاط العسكري غير الرسمي في الجنوب، وتشكك في قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ هذه المهمة، فيما يتمسك لبنان بأن استمرار الاحتلال والضربات الإسرائيلية يقوّض جهود الدولة ويعرقل تنفيذ التزاماتها الأمنية. وفي مواجهة هذه المعادلة، يشدد عون على استعداد الدولة والجيش لمعالجة المخاوف الأمنية عبر المؤسسات الشرعية وآليات التنسيق المعتمدة، بدلاً من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وفرض وقائع ميدانية تعقّد فرص الاستقرار. وتتجاوز خطورة التعثر مسألة الانسحاب، لتشمل مستقبل قوات "اليونيفيل" واحتمال نشوء فراغ في منظومة المراقبة الدولية جنوباً. وقد حذّر عون من تداعيات هذا الاحتمال، داعياً إلى استمرار الدعم الأوروبي للجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يتيح له تولي مسؤولياته ومنع تجدد التوتر. ويأتي هذا الجمود في مرحلة تشهد فيها إسرائيل أزمة سياسية عقب انتخابات الكنيست، مع استمرار بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة القائمة وعدم اتضاح شكل الائتلاف المقبل. لكن هذه الأزمة لا تعني بالضرورة توقف العمليات العسكرية أو تراجع إسرائيل عن شروطها التفاوضية، خصوصاً في ظل استمرار التشكيك الإسرائيلي في قدرة الجيش اللبناني على ضبط الوضع جنوباً. والأخطر أن استمرار المفاوضات من دون نتائج قابلة للتنفيذ يمنح الوقائع العسكرية القائمة مزيداً من الوقت للترسخ، ويؤخر عودة السكان والحياة الطبيعية إلى القرى الجنوبية المتضررة، فيما تبقى ملفات الأسرى والحدود والاعتداءات معلقة. ومع ذلك، فإن استمرار المسار التفاوضي يؤكد أن الباب الدبلوماسي لم يُغلق، وإن كانت المواقف المتباعدة تحول حتى الآن دون تحويل الاتصالات إلى التزامات عملية. وعليه، لم يعد التحدي اللبناني محصوراً في استمرار التفاوض، بل في تحويل الدعم الدولي للجيش إلى قدرة فعلية على بسط سلطة الدولة، بالتوازي مع انتزاع التزامات إسرائيلية واضحة ومحددة بشأن الانسحاب ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى ومعالجة الحدود. وبذلك، تبدو مفاوضات تامبا أمام اختبار حاسم: هل تنجح واشنطن في الانتقال من إدارة الخلاف إلى فرض مسار تنفيذي يعيد للبنان حقوقه، أم تتحول المفاوضات إلى غطاء دبلوماسي لاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، فيما تبقى الملفات الأربعة رهينة المماطلة؟