تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الترقب العسكري، بعدما كشفت تقارير أميركية عن تحذيرات وجهتها واشنطن إلى عدد من الدول الإقليمية للاستعداد لاحتمال تجدد الحرب مع إيران بعد الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني المقبل. لكن خلف هذه التحذيرات يبرز سؤال شديد الحساسية بالنسبة إلى لبنان: هل تبقى المواجهة المقبلة محصورة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أم تتحول مجدداً إلى حرب إقليمية تمتد إلى الجبهة اللبنانية؟ وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، فإن مسؤولين أميركيين أبلغوا عدداً من دول الشرق الأوسط وحلفاء واشنطن بضرورة الاستعداد لاحتمال استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، بالتوازي مع التحسب لرد إيراني قد يستهدف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية في المنطقة. ونقلت الوكالة معلوماتها عن دبلوماسيين اثنين اطّلعا على مضمون التحذيرات، وأكدا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتخذ حتى الآن قراراً نهائياً بتنفيذ ضربات جديدة، رغم استمرار التهديدات والتجهيزات العسكرية. وتأتي هذه المعلومات بعد تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن استعدادات أميركية لاحتمال تنفيذ عملية عسكرية قصيرة ومكثفة ضد إيران بعد الانتخابات الأميركية، وسط إجراءات لتعزيز الدفاعات الجوية وإعادة تموضع بعض القوات بعيداً عن القواعد الأكثر عرضة للصواريخ الإيرانية. وأفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية، وفي مقدمها القناة 13 وموقع "تايمز أوف إسرائيل"، بهذه التحذيرات، مشيرة إلى أن الدول التي تلقتها طُلب منها الاستعداد ليس فقط للعملية الأميركية المحتملة، بل أيضاً لتداعيات الرد الإيراني. ولا تنفصل هذه التحركات عن المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. فقد نقلت القناة 13 عن صحيفة "نيويورك تايمز" أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس طرح استئناف المفاوضات مع إيران، مع الإصرار على إدراج البرنامج النووي في أي اتفاق محتمل. وهذا التزامن بين التحضير العسكري والمسار الدبلوماسي يكشف أن واشنطن لا تزال تتحرك على خطين متوازيين: محاولة انتزاع تسوية بشروط أميركية، والإبقاء على الخيار العسكري قائماً إذا فشلت المساعي السياسية. غير أن احتمال شن عملية محدودة لا يضمن بقاءها ضمن الحدود التي يرسمها مخططوها. فإيران تمتلك القدرة على الرد على المصالح الأميركية وحلفائها في المنطقة، فيما قد تؤدي الضربات المتبادلة إلى توسيع نطاق المواجهة، خصوصاً إذا طاولت منشآت الطاقة أو خطوط الملاحة أو القواعد العسكرية. وهنا يدخل العامل اللبناني إلى المعادلة. فـ"حزب الله"، الذي يرتبط بعلاقة استراتيجية مع إيران، يجد نفسه أمام وضع بالغ التعقيد. فمن جهة، لا يزال لبنان يعيش تداعيات المواجهات السابقة، مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في نقاط جنوبية وتعثر المفاوضات المتعلقة بالانسحاب والترتيبات الأمنية. ومن جهة ثانية، فإن أي حرب جديدة على إيران ستطرح مجدداً مسألة موقف الحزب من المشاركة العسكرية أو الامتناع عنها. وكانت تقارير صحافية قد تحدثت خلال الأيام الماضية عن رسائل نقلها رئيس مجلس النواب نبيه بري بشأن عدم رغبة الحزب في الانخراط في مواجهة إقليمية جديدة، بالتوازي مع تقارير أخرى تتناول استمرار محاولات إعادة بناء قدراته العسكرية. لكن هذه المعطيات لا تكفي للجزم بوجود قرار نهائي لدى الحزب، سواء بالمشاركة في الحرب أو البقاء خارجها. كما أن الجاهزية العسكرية، بحد ذاتها، لا تعني أن قرار استخدام القوة قد اتُّخذ. وتزداد حساسية الموقف مع استمرار الخلاف اللبناني الداخلي حول حصرية السلاح بيد الدولة، وفي ظل الضغوط الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ"حزب الله". أما إسرائيل، فتواجه بدورها مرحلة سياسية غير مستقرة بعد انتخابات الكنيست، مع عجز معسكر بنيامين نتنياهو عن تأمين الأكثرية الحكومية. ورغم ذلك، فإن بقاء نتنياهو على رأس الحكومة القائمة يعني أن القرارات الأمنية الكبرى لن تكون بالضرورة معلقة على ولادة ائتلاف جديد. وتكمن المخاطرة بالنسبة إلى لبنان في احتمال أن ترى إسرائيل في المواجهة مع إيران فرصة لتوسيع عملياتها ضد "حزب الله"، حتى في حال عدم انخراط الحزب مباشرة في القتال. وهذا احتمال تحليلي، لا قرار إسرائيلي معلن. كذلك لا يمكن استبعاد أن تؤدي عمليات عسكرية ضد إيران إلى ضغوط أمنية واقتصادية واسعة على لبنان، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة، أو اضطراب حركة الطيران، أو ارتفاع منسوب التوتر على الحدود الجنوبية. وبذلك، يصبح السؤال اللبناني أبعد من احتمال إطلاق الصواريخ أو فتح الجبهات. فالمطلوب معرفة ما إذا كانت الدولة اللبنانية تمتلك الضمانات والقدرة السياسية والدبلوماسية اللازمة لإبقاء أراضيها خارج أي حرب إقليمية جديدة. حتى الآن، لا توجد معلومات موثقة تؤكد اتخاذ واشنطن قرار الحرب، ولا إعلان