تسعى علاجات السرطان الموجّهة إلى استغلال نقاط الضعف في الخلايا السرطانية، بهدف الحد من نموها مع تقليل الضرر الذي يلحق بالأنسجة السليمة. لكن بعض الأدوية الواعدة تواجه تحديًا مهمًا، يتمثل في آثار جانبية قد تعرقل تطويرها واستخدامها. والآن، تكشف دراسة جديدة عن وظيفة غير معروفة سابقًا لإنزيم "Wee1"، الذي تستهدفه بعض العلاجات التجريبية للسرطان. وقد تساعد النتائج في تفسير سبب تأثر الخلايا السليمة بهذه الأدوية، كما تفتح المجال أمام البحث عن وسائل أكثر دقة لاستهداف الأورام، بحسب تقرير نشره موقع "SciTech Daily". تحتوي الخلايا على آليات متعددة لمراقبة سلامة الحمض النووي وإصلاح التلف الذي يصيبه قبل انقسامها. ويؤدي البروتين الكابح للأورام "p53" دورًا مهمًا في هذه العملية، إذ يمكنه إيقاف دورة الخلية عندما يرصد تلفًا في الحمض النووي، بما يمنحها فرصة للتعامل مع الضرر. لكن هذا البروتين يكون معطّلًا في نسبة كبيرة من السرطانات، ما يسمح للخلايا المتضررة بمواصلة النمو والانقسام. وهنا تبرز أهمية إنزيم "Wee1"، الذي يعمل بمثابة مكبح إضافي يساعد على منع الخلايا من الانقسام قبل أن تصبح مستعدة لذلك. وتعتمد بعض الخلايا السرطانية التي فقدت وظيفة "p53" بدرجة أكبر على هذا الإنزيم، وهو ما جعله هدفًا جذابًا للأدوية التي تثبط نشاطه، على أمل استغلال نقطة الضعف هذه للحد من نمو الأورام. لكن الدراسة، المنشورة في مجلة "Nature"، كشفت أن دور "Wee1" لا يقتصر على تنظيم المراحل المتأخرة من دورة الخلية، كما ركزت عليه أبحاث سابقة، بل يمتد إلى مرحلة مبكرة ترتبط ببدء نسخ الحمض النووي. وأجرى البحث فريق من مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني، بالتعاون مع باحثين من جامعتي أكسفورد ولندن الجامعية. وأظهرت النتائج أن الإنزيم يساعد على تنظيم نشاط مركّب مسؤول عن تحليل بروتينات ضرورية لعملية نسخ الحمض النووي. وعندما يغيب نشاط "Wee1"، قد يظل هذا المركّب نشطًا على نحو يعرقل بدء نسخ الحمض النووي، ما يؤخر تقدم الخلايا في دورة حياتها أو يمنعها من مواصلتها بصورة طبيعية. وتشير هذه النتيجة إلى أن تثبيط الإنزيم قد يؤثر في الخلايا السليمة أيضًا، وليس الخلايا السرطانية وحدها، خصوصًا الأنسجة التي تحتاج إلى إنتاج خلايا جديدة بوتيرة سريعة، مثل بطانة الأمعاء وخلايا الجهاز الدموي. بدأ الباحثون بمحاولة بناء نموذج رياضي، استنادًا إلى الأدبيات العلمية المتاحة، للتنبؤ بما يحدث عند تثبيط "Wee1". لكن عند اختبار التوقعات في خلايا سليمة وسرطانية، لم تتطابق النتائج مع النموذج. ودفع هذا التباين الفريق إلى إعادة النظر في وظائف الإنزيم خلال المراحل المبكرة من دورة الخلية، بدلًا من التركيز على أدواره المعروفة في المراحل اللاحقة. وكشف هذا المسار عن الوظيفة التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي من قبل. وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير جانب من الآثار السامة التي ظهرت مع مثبطات "Wee1" خلال تطويرها السريري، رغم أن تحديد العلاقة المباشرة بين الوظيفة الجديدة والآثار الجانبية لدى المرضى يتطلب مزيدًا من البحث. تمهيد الطريق إلى علاج أكثر أمانًا يرى الباحثون أن فهم هذه الآلية قد يساعد على تحديد الأورام الأكثر استجابة لمثبطات "Wee1"، بدلًا من استخدام هذه الأدوية بالطريقة نفسها مع جميع المرضى. ومن الاحتمالات التي يطرحها البحث أن تكون بعض السرطانات ذات النشاط المنخفض للمركّب المسؤول عن تحليل البروتينات أكثر حساسية لهذه المثبطات. وإذا تأكد ذلك، فقد يتيح تحديد المرضى الذين يُرجح أن يستفيدوا من العلاج، مع تقليل تعرض الآخرين لمخاطره. كما يدرس الفريق إمكانية تطوير أساليب لتثبيط الإنزيم تستهدف وظائفه المرتبطة بالخلايا السرطانية، مع تجنب التأثير في دوره المبكر داخل الخلايا السليمة. يعتزم الباحثون اختبار توقعاتهم في نماذج ما قبل سريرية، إلى جانب دراسة مدى انطباقها على المرضى المشاركين في تجارب سريرية لمثبطات "Wee1". ولا تعني النتائج أن علاجًا أكثر أمانًا أصبح متاحًا بالفعل، لكنها تقدم تفسيرًا بيولوجيًا محتملًا لمشكلة تواجه تطوير هذه الأدوية، وتحدد مسارات يمكن أن تساعد الأبحاث المقبلة على تحسين دقتها وتقليل آثارها الجانبية.