ثمة تناقض حاد يتخبط فيه الواقع اللبناني في هذه المرحلة. فالعديد من العواصم الأوروبية والعربية تشهد حركة دبلوماسية وسياسية وعسكرية لبنانية مكثفة، لكنها على الأرجح تدور في حلقة مفرغة أو ربما تأتي بنتائج محدودة جداً. وفي المقابل، الحقيقة الملموسة الوحيدة التي يعيشها لبنان هي التصعيد الميداني الإسرائيلي المتسارع والمتوسع في الجنوب، الذي لا يلجمه أي حراك. الحراك الرسمي اللبناني يتوزع هذه الأيام على أكثر من جبهة. وتبرز هنا جولة رئيس الجمهورية جوزاف عون التي شملت روما ثم أثينا، ولقاءات وزير الدفاع ميشال منسى في صربيا، وبالتوازي زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لعمّان وتحضيرات مؤتمر باريس لدعم الجيش. وتتم هذه الورشة تحت عنوانين أساسيين: محاولة تثبيت مظلة حماية دولية وعربية للبلد، والحفاظ على قدرات المؤسسة العسكرية. لكن هذه المحاولات تلامس مخاطر انزلاق لبنان إلى صراع المحاور، كما أن الدعم المنتظر من هذا الحراك لا يرتقي واقعياً إلى مستوى تشكيل الرادع في وجه إسرائيل، خصوصاً في ظل التعثر في مفاوضات روما ومهمة المبعوث الأميركي جوزف كليرفيلد. وفي المقابل، تستغل تل أبيب حالة التخبط والجمود الدبلوماسي لفرض معطيات ميدانية جديدة كلياً عبر التوسع في التدمير والتجريف في القرى الجنوبية، كالمنصوري وحولا وزوطر الشرقية والنبطية وكفررمان وبيوت السياد والخيام وسواها. وفي ظل هذا الانسداد السياسي والتصعيد الميداني المتداعي، يتصدر مؤتمر باريس المرتقب لدعم الجيش اللبناني الواجهة كآخر المبادرات الدولية القادرة على ضخ الأكسجين في شرايين الدولة، غير أن سقوف التوقعات حيال نتائجه تبقى محكومة بآليات التوازنات الدولية المعقدة، وقد تترجم بسيناريوهين رئيسيين: الأول، وهو المرجح، هو أن ينجح المؤتمر في تأمين حزمة مساعدات مالية ولوجستية وحياتية عاجلة للجيش، تهدف حصراً إلى منع ترهل المؤسسة العسكرية، وتغطية النفقات التشغيلية الضرورية للانتشار جنوباً. إلا أن هذا الدعم لا يرتقي إلى منح المؤسسة سلاحاً نوعياً أو غطاءً كافياً لردع التجاوزات الميدانية الإسرائيلية. الثاني هو أن يواجه المؤتمر فرملة سياسية إذا ما أصرت واشنطن وبعض العواصم الغربية على ربط وتيرة تدفق المساعدات وتوسيع الانتشار بجدول زمني ملموس لـ"حصرية السلاح". وفي هذا السيناريو، سيتحول مؤتمر باريس من منصة إسناد للبنان إلى أداة ضغط إضافية عليه، ما يضع السلطة السياسية والجيش في مواجهة معادلات صعبة. ويبقى البحث في مرحلة ما بعد اليونيفيل، أحد أبرز العوائق التي تواجه المشهد السياسي اللبناني، ربطاً بالإطباق الأمني الإسرائيلي على الجنوب من جهة، والتحضيرات لمعركة علي الطاهر تزامناً مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية من جهة ثانية. وهو ما كان محور حديث منسى مع رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش، حيث تناول اللقاء الخيارات المطروحة لمرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان أواخر العام الجاري، كما جرى عرض الوضع العام في لبنان، ولا سيما في الجنوب. وأبدى الجانب الصربي استعداده لمواصلة تقديم الدعم للبنان، خصوصًا في مجال المساعدات الإنسانية والمساهمة في جهود إعادة الإعمار لاحقًا. على مستوى الحشد الدولي لدعم لبنان، أعلن الاتحاد الأوروبي أن "وزراء الدفاع يبحثون اليوم المهمة الأوروبية لدعم الجيش اللبناني"، في حين أكدت وزيرة الدفاع الإيرلندية أن "إيرلندا ستشارك في المهمة الأوروبية في لبنان بعد انتهاء ولاية اليونيفيل. عربياً، شكلت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الأردن، رافعة على مستوى دعم الجيش اللبناني، خلال المؤتمر التحضيري لدعم الجيش اللبناني الذي من المقرر أن يعقد في باريس في 17 أيلول، بالإضافة إلى جهود فرنسا في هذا الإطار. وعقد هيكل لقاء مع الملك الأردني بحضور ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ورئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي وعدد من المسؤولين، وذلك في قصر الحسينية الملكي. وخلال اللقاء، أكد عبد الله الثاني وقوف المملكة إلى جانب لبنان، ودعم جهوده للحفاظ على أمنه وسيادته. كما أبدى دعمه الكامل للمؤتمر الدولي لدعم القوات المسلحة اللبنانية الذي سيُعقد في باريس في السابع عشر من الشهر الجاري، بهدف تعزيز الإمكانات العملانية للجيش وقدرته على تولّي مسؤولياته الوطنية. وكان هيكل زار مقر القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، حيث استقبله اللواء الركن الحنيطي، وأقيمت له التشريفات الرسمية. بعدها عُقد لقاء بين العماد هيكل واللواء الركن الحنيطي بحضور عدد من الضباط، وجرى خلاله بحث أبرز التطورات، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين الجيشَين، والتشديد على أهمية دعم المؤسسة العسكرية في ظل ما تواجهه من تحديات. عون: اتخذنا خيارات لمصلحة الشعب على مستوى ال