المميز الجوهري الثاني لنمط الإنتاج الرأسمالي هو تورط المجتمع بأسره في إنتاج كل سلعة نتيجة للتطور التكنولوجي الفائق وتعقيد عملية الإنتاج وتقسيم العمل من استخراج المواد الخام ونقلها وحتى تعقيد عملية الإنتاج وتداخلها مع المنتجين الآخرين، ونقل السلعة وإيصالها إلى الأسواق. ومن هنا الطبيعة الاجتماعية للعمل في مقابل الشكل الخاص لتملك نتائج العمل. وهذا التناقض الرئيس في نمط الإنتاج الرأسمالي هو أساس الأزمات الاقتصادية الكبرى، فالإنتاج اجتماعي، أما التخطيط فخاص يقوم على زيادة ربح المالك لوسائل الإنتاج، ما يؤدي إلى غزارة في الإنتاج وسوء في التخطيط والتوزيع. يبدأ الجزء الأول إذًا بتحليل البضاعة، خلية الاقتصاد الرأسمالي الرئيسة منظورًا إليه بوصفه جسمًا عضويًا، وتحليلها هو المفتاح لفهم عملية استغلال أهم بضاعة فيه وهي قوة العمل، هذا الاستغلال الذي يميز النظام الرأسمالي عن غيره. وينتقل ماركس في عملية استنباط منهجي جدلي من البضاعة وصولًا إلى رأس المال. وهو يعدّ هذه العملية تطويرًا لمفهوم رأس المال، باعتبار أن التعريف هو عملية تطوير المفهوم من العام المجرد (Abstrakt Allgemeine) إلى العام العيني (Konkret Allgemeine). يحذو ماركس عند تحليل البضاعة حذو كل من آدم سميث وديڤيد ريكاردو في تحديد القيمة بالعمل المستثمر في إنتاجها، بما في ذلك العمل السابق الذي استُثمِرَ في أدوات الإنتاج نفسها. ويعود تاريخ الانشغال بالقيمة إلى زمن أرسطو بوصف القيمة الصفة المشتركة التي تجعل التبادل الكمي بين البضائع ممكنًا، وذلك على الرغم من الاختلافات بينها من حيث صفاتها الاستعمالية. فعلى الرغم من اختلاف استخدام البضائع فثمة مشترك بينها يجعل التبادل بينها ممكنًا، وهذا المشترك هو القيمة، لكن من أين تأتي؟ ناقش الناس هذه المسألة منذ العصور القديمة، مثلًا حينما اختلفوا على أساس المقايضة بين البضائع، والإنصاف في تسعير بضاعة، وماهية المال والإقراض، وعدم طبيعية الإقراض بالربا وفقًا لذلك، لأن المال فيه يجلب المال. إن فكرة اعتماد القيمة على الجهد المبذول في إنتاج السلعة فكرة قديمة. وقد ميّز سميث بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، وحصر اهتمام الاقتصاد بالأخيرة. وميّز أيضًا بين العمل المنتج للبضاعة والعمل الموجه للاكتفاء الذاتي الذي لا ينتج بضاعة. وأدرك أيضًا أن هناك أشياء كثيرة مستخدمة في الحياة ليس لها قيمة تبادلية مثل الهواء الذي نتنفسه. أي إن القيمتين الاستعمالية والتبادلية ليستا مترابطتين بالضرورة. وهذا يعني أنه ليس لكل قيمة استعمالية قيمة تبادلية. واعتبر أن قيمة البضاعة تساوي قيمة العمل + رأس المال المُستثمر فيها + أجرة الأرض. وهي متغيرة لأسباب عديدة من ضمنها العرض والطلب في السوق. وفي النهاية يُنظّم السوق سعر البضاعة (price)، لكنه يقترب بالمعدل في نهاية المطاف من القيمة التبادلية (exchange value). وقد استخدم ماركس نظرية القيمة لفهم مصدر الاستغلال؛ استغلال رأس المال للعمال. وقد اعتبر أن العمل أصل القيمة الوحيد. والقيمة التبادلية عنده ظاهرة تاريخية ملازمة للإنتاج السلعي، وليست جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية عمومًا. للعمل وجهان: عيني ومجرد. وجه مُجرّد يتمثل في أنه جهد بشري مستثمر في الإنتاج بغض النظر عن نوع العمل، وعمل عيني متعلق بالاختصاص، ونوع العمل والمهنة والمهارة وغيره. ويزداد تحديد القيمة بزمن العمل دقة كلما أصبح العمل أكثر تجريدًا، ولا سيما بعد انحسار الحرف اليدوية التي يصنع فيها الحرفي السلعة كاملة بنفسه مثل قطعة فنية في هوامش عملية الإنتاج، ويؤدي تقسيم العمل إلى تبسيطه ليصبح قياسه الوحيد هو مدته، كذلك يؤدي إلى تورط المجتمع كله في عملية الإنتاج. وتتمثل القيمة في متوسط زمن العمل الاجتماعي اللازم في إنتاج البضاعة. تظهر هذه القيمة الناجمة عن جهد الإنسان المبذول فيها، وكأنها صفة موضوعية مُلازمة للبضاعة خارجة عن تحكم الإرادة الإنسانية. يُسمّي ماركس هذه الظاهرة بصنميّة أو فيتشيّة البضاعة، إذ تظهر وكأنّها تمتلك قيمة ناجمه عن صفاتها لناحية انخفاض ثمنها أو ارتفاعه، ووفرتها وشحّها، مع التعمية على مصدرها، وهو عمل الإنسان. وهي في الحقيقة تعبير عن علاقات إنسانية في ظل نمط إنتاج معين وليس لها حياة خاصة بها، ولكنها تظهر وكأن لها حياة خاصة، مثلما يظهر المال وكأنه يمتلك حياة خاصة حين ترتفع قيمته أو تنخفض[80]. لا تزداد القيمة وحدها والمال لا يجلب المال، وإنما يحصل ذلك كلّه من خلال الاستثمار في العمل الإنساني. "إن رأس المال ليس شيئًا ماديًا، إنه علاقة اجتماعية في الإنتاج، إنه قيمة تجني فائض القيمة بواسطة استثمار العمل المأجور"[81]. كيف تميّز ماركس عن بقية الاقتصاديين الذين اتفق معهم على نظرية القيمة، بمعنى اعتبار أن العمل أساس القيمة؟ يكمن تميز ماركس في بحثه عن أساس الاست