في مشهد يعكس انتقال الأزمة السياسية في ألبانيا من الشارع إلى قلب المؤسسات الدستورية، أشعل نواب من المعارضة مشاعل وقنابل دخانية داخل البرلمان في تيرانا، في محاولة لتعطيل الجلسة والضغط على حكومة رئيس الوزراء إيدي راما، وسط احتجاجات شعبية متواصلة ومطالبات باستقالته. وخلال جلسة البرلمان، اليوم الخميس، أشعل نواب معارضون مشاعل وقنابل دخانية زرقاء، وحاولوا تعطيل أعمال الجلسة ومنع استمرارها، فيما رفع بعضهم صوراً لمتظاهرين قالوا إنهم أصيبوا خلال تدخلات الشرطة في الاحتجاجات الأخيرة. كما ألقى النواب زجاجات مياه ووثائق باتجاه منصة الرئاسة، ورددوا هتافات تطالب راما بالاستقالة، متهمين حكومته بمحاولة التعامل مع الأزمة وكأن الاحتجاجات المتواصلة في البلاد لا وجود لها. وقال النائب في الحزب الديمقراطي المعارض بيليند كيليتشي إن الحكومة تحاول المضي في جدول أعمالها "وكأن شيئاً لا يحدث"، معتبراً ذلك محاولة لإنكار وجود أزمة سياسية واجتماعية عميقة في البلاد. وتأتي التحركات داخل البرلمان على وقع موجة احتجاجات واسعة ازدادت حدتها منذ منتصف تشرين الأول، عندما انضم طلاب الجامعات والمدارس إلى الحراك، مطالبين بتحسين ظروف التعليم وخفض الأكلاف وتوفير فرص أفضل للشباب، إلى جانب مطالب سياسية تتعلق بمكافحة الفساد واستقالة راما. وتخللت الاحتجاجات خلال الأسابيع الأخيرة مواجهات وأعمال شغب استهدفت مباني حكومية ومصارف ومتاجر، فيما استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق بعض التجمعات. وأُصيب خلال الاضطرابات مئات من المتظاهرين وعناصر الشرطة، في أكبر تحدٍّ داخلي تواجهه حكومة راما منذ فوزه بولاية رابعة. وفي محاولة لاحتواء التصعيد، أقرّت الحكومة إجراءات جديدة تتيح فرض غرامات تصل إلى 500,000 ليك على المشاركين في تجمعات تتحول إلى أعمال عنف، حتى في بعض الحالات التي لا يرتكب فيها الشخص أعمالاً عنيفة بصورة مباشرة، وهو إجراء أثار اعتراضات إضافية في صفوف المحتجين والمعارضة. ويحرص قسم من المشاركين في الاحتجاجات على إبقاء حراكهم بعيداً من الأحزاب التقليدية، إذ رُفعت شعارات تتهم كلاً من راما وزعيم المعارضة سالي بريشا بالفساد، في مؤشر إلى أن الغضب يتجاوز الاصطفاف التقليدي بين الحكومة والمعارضة. وتعود جذور موجة الاحتجاجات الحالية إلى أيار الماضي، حين بدأت تظاهرات اعتراضاً على مشروع منتجع سياحي فاخر على الساحل الألباني مرتبط بمستثمرين بينهم جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أن تتوسع المطالب لتشمل الفساد والتعليم وفرص العمل والأوضاع الاقتصادية. ولم تجد "رويترز" دليلاً على ارتكاب كوشنر أي مخالفة في المشروع. من جهته، يرفض راما الاستقالة، ويؤكد أن تغيير الحكومات يتم عبر الانتخابات، فيما اتهم "أطرافاً خارجية" بالمساهمة في تأجيج الاضطرابات وحملات التضليل، وسبق أن أشار إلى روسيا وإيران في هذا السياق. وبين شارع لا يهدأ وبرلمان وصل إليه الدخان والاحتجاج، تدخل الأزمة الألبانية مرحلة أكثر حساسية، في وقت تسعى فيه البلاد إلى مواصلة مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وسط تصاعد الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومة راما.