كانت رييا، البالغة من العمر 11 عاماً، تذهب إلى مدرستها في حارة صخر في جونية خمسة أيام في الأسبوع، فيما كانت حرب عام 2026 تُسمع من حولها أكثر مما تُرى. كانت أصوات الطائرات والغارات على بيروت تصل إلى منطقتها، حيث امتلأت الفنادق بعائلات نازحة من مناطق الحرب. لكن ذلك لم يمنعها من متابعة دروسها بشكل شبه طبيعي. تتذكّر ذلك اليوم الذي سقطت فيه شظايا صاروخ اعتراضي فوق منزلها في ساحل علما، وحالة الرعب التي عاشتها. لكنها عادت إلى المدرسة في اليوم التالي، حيث تلقّت مع زملائها تدريباً على كيفية التصرف في مثل هذه الحالات. تختلط مشاعر هذه الطفلة بين الامتنان لكونها أنهت عامها الدراسي بشكل سليم، وبين الحزن على الأطفال الذين لم يتمكّنوا من الجلوس على مقاعد الدراسة بسبب الحرب، كما تقول في حديثها إلى رصيف22. فهي تدرك أنّ التعليم من بُعد ليس بديلاً مكتملاً عن المدرسة، لأنّ وجود المعلمة والزملاء والتفاعل داخل الصف جزء أساسي من التعلّم. أما ساجد، ابن السابعة عشرة، فعاش تجربةً أكثر اضطراباً. يستذكر في حديثه إلى رصيف22، لحظات النزوح الأولى من الضاحية الجنوبية في آذار/ مارس 2026، حين ترك كتبه خلفه وانتقل مع عائلته إلى بيت في الجبل. يعدّد ساجد صعوبات العام الدراسي الفائت، من التعليم من بُعد، مروراً بالإنترنت المتقطع، وصولاً إلى المنهج غير المكتمل والدوام غير الثابت. فالطفل الذي يرى أنّ الظلم لحق بتلامذة لبنان منذ جائحة كورونا، وجد أنّ الحرب الأخيرة دخلت أيضاً في تفاصيل حياته، وشتّتت تركيزه بين السعي إلى الوصول إلى الإنترنت من جهة، والتفكير في أقاربه الموجودين تحت الخطر من جهة أخرى. برغم ذلك، نجح في النهاية. في بلد واحد، يتقاسم طفلان تجارب تعليميةً مختلفةً بفعل الجغرافيا والظروف الاجتماعية. الظلم الذي تحدّث عنه ساجد يطرح السؤال حول ما يراكمه قطاع التعليم من تفاوت في ما يتعلمه الطلاب، وفي قدرتهم على مواصلة تعليمهم. القطاع التعليمي يدفع ثمن أزمات متراكمة ما عاشته رييا وساجد لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تعود إلى ما قبل حربَي إسرائيل على لبنان في 2023 و2026. فالقطاع التعليمي دفع ثمن الأزمات المتتالية التي خسر فيها طلاب القطاع الرسمي بشكل أساسي نحو 600 يوم تعليمي خلال السنوات الست التي سبقت الحرب، وفقاً لمديرة مركز الدراسات اللبنانية د. مها شعيب، مع احتساب فترات التعليم من بُعد ضمن الأيام التعليمية الفعلية، بمعزل عن نوعيتها ومدى فعاليتها، والتي لم تتعدَّ، بحسبها، 15%. مع استمرار الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد لبنان، أُغلقت بحلول نيسان/ أبريل 2024، أكثر من 70 مدرسةً في جنوب لبنان، ما أثّر على نحو 20 ألف طالب، فيما اختلفت مدة الإغلاق من مدرسة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، تبعاً لتطور الوضع الأمني، بحسب اليونيسف بدأت الأزمة، وفق ما تقول شعيب في حديثها إلى رصيف22، منذ الـ2016 مع تقليص أيام التعليم وحذف جزء من المناهج، في ظلّ مساعٍ لخفض النفقات. وكان وزير التربية آنذاك، الياس بو صعب، قد نفى حصول تقليص في الأيام التعليمية، موضحاً أنّ الهدف كان إراحة الأساتذة والتلاميذ، وأنّ الأيام المتاحة فعلياً لتنفيذ المناهج لا تتعدّى 140 يوماً، فيما صُمّمت المناهج لتوزيعها على 170 يوماً. بعد ثلاثة أعوام تقريباً، بدأت الأزمة المالية وتبعتها انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، فالانهيار المالي، ما تسبّب في انهيار قيمة رواتب القطاع العام ومعه القدرة الشرائية للأساتذة، مما أدى إلى انتقال عدد من الطلاب في التعليم الخاص إلى الرسمي نتيجة ارتفاع كلفة الأقساط، ليجدوا أنفسهم في قطاع يعاني بدوره من اضطرابات متكررة. أصابت الأزمة المالية الأساتذة والطلاب على حدّ سواء. يقول رئيس رابطة التعليم الأساسي في لبنان حسين جواد، في حديثه إلى رصيف22، إنّ ما حصّله الأساتذة مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، نتيجة سنوات من النضال، زال بشحطة قلم نتيجة الانهيار المالي منذ عام 2019، ولم يعد بدل النقل يغطّي كلفة انتقال المعلم إلى المدرسة. في النتيجة، وفي ظلّ تعذّر تحسين الرواتب وزيادة التضخم وتراجع الأحوال المادية للمعلمين، انعكس الأمر على الطلاب عبر تقليص أيام التدريس إلى أربعة أيام، وهو ما أدّى بطبيعة الحال إلى تراجع مستوى التدريس وأحدث فاقداً تعليمياً، يفيد جواد بأننا قد نحتاج إلى أكثر من عام تدريس كامل لتعويضه. وبينما كان نظام التعليم في لبنان يعمل على التعافي من سنوات من الاضطرابات، بحسب اليونيسف، اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان في الـ2023 ومن ثم في الـ2026، ودخلت الأزمة مرحلةً أكثر تعقيداً بسبب نزوح أعداد كبيرة من الأطفال وانقطاعهم عن التعليم وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء، بالرغم من رفض وزيرة التربية ريما كرامة هذا الأمر بحسب شعيب. مع تراكم هذه الأزمات، اتسعت الفجوة التعليمية. وتض