بلغت تبعية لبنان إلى جهتين خارجيتين متنافستين حدودها القصوى. فحزب الله لا يملك استراتيجية للخروج من الحربين اللتين انخرط فيهما دعمًا لحلفائه منذ عام 2023، سوى انتظار نتائج الديناميات بين الولايات المتحدة وإيران. فيما لا يملك الرئيس جوزيف عون أفقًا واضحًا بعد سبع جولاتٍ من المفاوضات مع إسرائيل، سوى التعويل على أن يكبح دونالد ترامب في نهاية المطاف السياسات التوسعية الإسرائيلية. وفي ظلّ عدم توقع حدوث أيّ اختراقٍ بين واشنطن وطهران في المستقبل القريب، تبرز الحاجة إلى ديناميات داخلية جديدة لكسر حالة الجمود. ويوفر «التحوط المدروس» إطارًا سياساتيًا لتوسيع خيارات لبنان تدريجيًا واستعادة قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة تبعيته المزدوجة للولايات المتحدة وإيران. ولا يعني ذلك الوقوف على الحياد بين القوى المتنافسة، بل بذل جهود تدريجية للحد من التبعية للخارج، وتنويع الشراكات، وإعادة قرارات الأمن القومي إلى مؤسسات الدولة. تتناول هذه الورقة المسار الذي أوصل لبنان إلى حالة التبعية المزدوجة للخارج، وتشرح لماذا لا يُعدّ أي من هذين الاصطفافين قابلًا للاستمرار، وتوضح ما يعنيه «التحوط المدروس» عمليًا، وتحدّد الشروط اللازمة لتحقيقه. من التبعية الأحادية إلى التبعية المزدوجة لا تعكس معضلة السياسة الخارجية اللبنانية مجرد اختلافات أيديولوجية، بل غياب سياسة خارجية متماسكة قادرة على التوفيق بين الانقسامات السياسية الداخلية في لبنان وبيئة إقليمية تتزايد فيها حدّة التنافس. منذ انسحاب قوات النظام السوري عام 2005، حاول لبنان استعادة سيادته من دون أن ينجح في تحقيق استقلاليته الاستراتيجية. وبدلًا من ذلك، أصبحت السياسة الخارجية مقسّمة بين مراكز قوى متنافسة تسعى إلى إقامة شراكات خارجية مختلفة وتتبنى أولويات أمنية متباينة. وهكذا، انتقل لبنان من التبعية الخارجية الأحادية في ظلّ الوصاية السورية إلى التبعية المزدوجة للولايات المتحدة وإيران. وكانت النتيجة نشوء توجهين متناقضين للسياسة الخارجية داخل الدولة الواحدة. بين وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 واستئناف القتال بين إسرائيل وحزب الله في آذار/مارس 2026، لم يتمكن الرئيس عون ولا حزب الله من معالجة التحديات على الحدود الجنوبية أو سدّ فجوة الثقة المتسعة بينهما. ولم تتنازل إسرائيل عن مطالبها أو تتخلى عن استعدادها لفرضها عسكريًا. ووصلت المبادرة التي اقترحها المبعوث الأمريكي توم باراك، والقائمة على مقاربة تدريجية تقضي بمقايضة نزع سلاح حزب الله بالانسحاب الإسرائيلي من خمس تلال محتلة، إلى طريق مسدود، ما شلّ آلية المراقبة المنبثقة عن اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، التي ترأسها كلّ من الولايات المتحدة وفرنسا. استغل حزب الله هذه الفترة لإعادة تنظيم صفوفه واستعادة خطوط إمداده، في حين لم يُترجم عون مبدأ «الحياد الإيجابي» إلى مقاربة قادرة على تجاوز المأزق اللبناني من دون زعزعة الاستقرار السياسي. فقد كل من عون وحزب الله، اللذين يمثلان توجهين خارجيين مختلفين، جزءًا كبيرًا من هامش المناورة المتاح لهما بعد اندلاع الحرب الأمريكية - الإيرانية في آذار/مارس 2026. وفي أعقاب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 شباط/فبراير، تخلّى حزب الله عن ضبط النفس الذي أبداه منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وأطلق ستة صواريخ باتجاه إسرائيل ردًا على الاغتيال. أما عون، فابتعد عن «الحياد الإيجابي» المفترض، واتجه نحو اصطفافٍ أوثق مع واشنطن. وسّعت إسرائيل لاحقًا الأراضي اللبنانية التي تحتلّها من خمس تلال إلى كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، مع امتداد سيطرتها العملياتية إلى مناطق شمال النهر. ومنذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، انتقل حزب الله من العمل بوصفه قوة شبه عسكرية نظامية تسيطر على الأراضي إلى اعتماد حرب العصابات. وبحلول الوقت الذي أسفرت فيه مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران عن وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو 2026، فقد حزب الله القدرة على السيطرة على الأراضي، ولم يكن قد أجرى تنسيقًا مسبقًا مع الجيش اللبناني، الذي كان قد انسحب من عدة مواقع في جنوب لبنان وسط التقدم الإسرائيلي والقصف وإنذارات الإخلاء. اعتبارًا من 9 آذار/مارس 2026، ضغط عون بشكلٍ متزايد لعقد مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل لتجنب المزيد من هجماتها، وأجاز من جانبٍ واحدٍ توقيع اتفاق إطاري في حزيران/يونيو 2026، يضع فعليًّا السلطات اللبنانية والإسرائيلية في خندقٍ واحدٍ في مواجهة حزب الله. وراهن تدريجيًّا على التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة باعتباره المسار الرئيسي لإنهاء الهجمات الإسرائيلية وضمان الانسحاب الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن الاتفاق الإطاري لا يحل المعضلة الأساسية المتمثلة في نزع سلاح حزب الله مقابل الانسحاب ا