لم تعد قضية رجل الأعمال الإماراتي خلف أحمد الحبتور مجرد ملف استثماري أو خلاف مالي عابر، بل تحولت إلى اختبار لثقة المستثمرين بلبنان، وبقدرة الدولة على حماية الحقوق والحفاظ على الاستثمارات في بلد يسعى إلى إنعاش اقتصاده واستعادة حضوره العربي والخليجي. فالحبتور ليس مستثمراً عابراً. مجموعته الاقتصادية حاضرة في قطاعات الفنادق والعقارات والسيارات والتعليم والنشر، ولها أعمال في أسواق متعددة. وقيمة مستثمر بهذا الحجم لا تقتصر على الأموال التي يضخها في مشروع، بل تشمل الخبرة والعلاقات وفرص العمل، والرسالة التي يبعثها بقاؤه إلى من يفكرون في الاستثمار في لبنان. قبل فترة، وصل الحبتور إلى بيروت بعد زيارة لسوريا، والتقى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. أعلن إعادة افتتاح الفندق الذي يملكه، وتحدث عن مشاريع واستثمارات إضافية، في أجواء أوحت بأن لبنان بدأ يستعيد شيئاً من ثقة المستثمر الخليجي. لكن المشهد تبدّل سريعاً. فالرجل الذي تحدث عن التوسع عاد ليعلن خيبة أمله وفقدانه الثقة بالبيئة الاستثمارية اللبنانية. ومن هنا يبرز السؤال: ماذا حدث؟ وكيف انتقل مستثمر بهذا الحجم من الإعلان عن مشاريع جديدة إلى إعلان الانكفاء؟ هنا تبدأ مسؤولية الدولة. فهل بادرت رئاسة الجمهورية والحكومة إلى التواصل معه لمعرفة الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذه النتيجة؟ وهل تحركت المؤسسات المختصة للتحقق من الشكاوى التي تحدث عنها، ومن بينها مضايقات وتهديدات وإقفال مؤسسات مرتبطة باستثماراته؟ إن التعامل مع هذه المسائل لا يكون بالتجاهل أو السجال، بل بالتحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وتكتسب القضية بعداً إضافياً بالنظر إلى المبادرات التي ارتبطت باسم الحبتور في لبنان. فقد أنشأ مستشفى في بلدة حرار العكارية بكلفة تقارب ثلاثين مليون دولار، وساهم بعد انفجار مرفأ بيروت في ترميم أكثر من 300 شقة ومحل تجاري، كما أمّن الأدوية والمستلزمات الطبية لـ11 مستشفى في بيروت لمدة شهر. وتشمل مبادراته الاجتماعية، وفق المعلومات المتداولة، تقديم مساعدات غذائية سنوية لعائلات محتاجة في مناطق لبنانية متعددة. هذه المبادرات لا تمنح صاحبها امتيازاً خارج القانون، لكنها تجعل غياب الدولة عن معالجة القضية أكثر إثارة للاستغراب. فالحديث لا يدور عن مستثمر دخل لبنان بحثاً عن الربح وحده، بل عن مجموعة استثمرت في الاقتصاد وشاركت في مبادرات إنسانية واجتماعية، ووقفت إلى جانب اللبنانيين في أوقات عجزت فيها مؤسسات الدولة عن تلبية حاجات كثيرة. ولا يقتصر أثر ما جرى على الحبتور أو على مشروع بعينه. فكل مستثمر عربي أو أجنبي يراقب القضية يسأل: إذا كان مستثمر بهذا الحجم لم يجد مبادرة رسمية واضحة للاستماع إلى هواجسه ومعالجة المشكلة، فكيف سيكون مصير المستثمرين الآخرين، ولا سيما اللبنانيين المغتربين الذين يفكرون في نقل أعمالهم إلى وطنهم أو الإبقاء على استثمارات فيه؟ لبنان يملك إطاراً قانونياً لتشجيع الاستثمار وتسوية بعض النزاعات، من بينها قانون تشجيع الاستثمارات رقم 360 لعام 2001، الذي يتيح التسوية الودية أو التحكيم في نزاعات محددة مرتبطة بعقود الحوافز. لكن النصوص وحدها لا تكفي. فالمستثمر يراقب أيضاً كيفية تطبيق القانون، وفاعلية القضاء، والوقت الذي يستغرقه حسم النزاعات، ومدى احترام العقود والحقوق. ولا يجوز أن تتحول الرغبة في استقطاب الأموال إلى مدخل لتهميش المستثمر أو إقصائه عند نشوء خلاف. كما لا يجوز أن يُمنح المستثمر الكبير معاملة خاصة، أو أن يُترك المستثمر الصغير بلا حماية. من يملك حصة محدودة في مشروع له الحق نفسه في احترام عقده وصون ملكيته، وتلك المساواة أمام القانون هي ما يمنح الدولة مصداقيتها. في كل دول العالم، تقع خلافات مالية وتجارية، وقد تتعثر المشاريع أو تختلف الأطراف. لكن ما يطمئن المستثمر هو وجود دولة حاضرة، ومؤسسات فاعلة، وقضاء قادر على حماية الحقوق وحسم النزاعات. أما حين يبدو أن الدولة غائبة أو غير معنية، فإن الخلاف يتجاوز حدود الاستثمار ويتحول إلى أزمة ثقة. المطلوب اليوم موقف واضح من رئاسة الجمهورية والحكومة يشرح للرأي العام ما جرى، ويؤكد أن الدولة تتابع القضية بجدية. والمطلوب كذلك خطوات عملية وشفافة للتحقق من الشكاوى، وحماية الحقوق، وترميم الثقة التي تضررت. في النهاية، لا ينبغي أن يبقى السؤال: لماذا تراجع خلف الحبتور عن التوسع؟ بل لماذا لم تتحرك الدولة لمعالجة الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذه النتيجة؟ فلبنان لا يحتاج إلى دعوة المستثمرين للمجيء فحسب، بل إلى دولة تعرف كيف تحافظ على ثقتهم عندما يأتون.