قرأتُ مقالة الأستاذ سليمان بختي "استفزّ يهودًا ومسيحيين ومسلمين: كمال الصليبي المؤرخ المشاكس"، فوجدتُ فيها تقديرًا لمؤرخ كبير أشاركه إياه. أغنى الصليبي المكتبة العربية بأسئلة جريئة، وأقول بلا التباس إن كل تهديد بالقتل، وكل "إهدار دم" ايًّا كان قائله، مرفوض ومدان. من يُهدَّد بسبب كتاب يستحق التضامن، ولو خالفناه في كل سطر منه. لكنّ هذا التضامن لا يمنعني من وقفة مع ما ورد في المقالة عن أستاذنا العلّامة بولس الفغالي، وعن الكنيسة الكاثوليكية ومعاهدها. وسأعرض ملاحظاتي في خمس محطات. أبدأ بالفرق بين الحملة والنقد، وبما نُسب إلى جهات كنسية من تهديد لا اسم معه ولا تاريخ. ثم أعود إلى كتاب الفغالي "الردّ على كمال الصليبي" لأنظر فيما قاله فعلًا. ثم أتحدث عن الأصداء التي وجدتها أفكار الصليبي، وما بعدها، داخل المعاهد الكاثوليكية. ثم أذكر موقف الكنيسة الرسمي من حرية البحث في الكتاب المقدس. وأختم بمصادر المقالة، وبما يوجبه الإنصاف في النقل. 1. ما الفرق بين الحملة والنقد؟تفتتح مقالة بختي بأن الجدل "لم يكن أكاديميًا موضوعيًا، بل حملة صحافية وإعلامية ودينية". ثم تذكر ردّ الخوري بولس الفغالي، وتصفه بأنه فنّد استنتاجات الصليبي ورأى أنها تسيء فهم النص الإنجيلي نفسه. وهذا وصف لنقد علمي، لا لحملة. غير أنها تورده في سياق واحد مع "الإكليروس" ومع خوري مجهول الاسم "أهدر الدم"، فيفهم القارئ أنهم جميعًا صوت واحد. الفرق بين الأمرين واضح. النقد يخاطب الحجة، ويحمل اسم صاحبه، ويحيل إلى مصادره، ويقبل الردّ عليه. أما الحملة فتستهدف الشخص، وتتغذّى من الإشاعة، ولا تسمّي ولا توثّق. فإن كان ردّ الفغالي نقدًا فلا يجوز أن يُحسب على الحملة، وإن كان حملة فعلى الكاتب أن يبيّن أين: أي عبارة وأي أسلوب تجاوز النص إلى الشخص. والمقالة لا تفعل هذا ولا ذاك، ولا تنقل حجة واحدة من حجج الفغالي. وللفغالي كتاب صدر سنة 2014 عن الرابطة الكتابية بعنوان "الردّ على كمال الصليبي"، يجمع دراسات نُشرت على مدى سنوات في "دراسات" و"المنارة" و"المسرّة" و"المجلة الكهنوتية". والمقالة لا تذكر هذا الكتاب ولا هذه المراجع، ومن أراد الإنصاف في هذه المسألة كان عليه أن يرجع إليه. وفي المقالة عبارة "علاقة بولس بشارل الطرطوسي" منسوبة إلى ردّ الفغالي، ولم أجد لها أثرًا بهذا اللفظ في كتابه. والذي يناقشه الفغالي فعلًا هو تفريق الصليبي بين شاول وبولس الطرسوسي، ولعلّ في العبارة التباسًا أو خطأ في النقل يستحق التصحيح. أمّا القول إنّ "التهديدات مرّت عبر وسائل الإعلام والتلفزيون الكاثوليكي"، وإن رئيس حكومة نصح الصليبي "بالخروج مؤقتًا من بيروت"، فلا يحمل اسمًا ولا تاريخًا ولا وثيقة، وما لا سند له لا يمكن مناقشته ولا قبوله. وليس في ما نعرفه ونتابعه ما يدلّ على أن وسائل الإعلام الكاثوليكية خوّنت أحدًا أو هدّدته. ونسبة التهديد إلى جهة كنسية من غير دليل تحمّل مؤسسة كاملة وزر ما قد يكون فعل فرد. أما إدانة التهديد نفسه، إن وقع، فقد قلتها بلا التباس في أول هذا المقال. 2. ماذا يقول كتاب الفغالي؟لا أجد في كتاب الفغالي "الردّ على كمال الصليبي" خصمًا يرفض الصليبي من أصله، بل فكرًا يرى صاحبه أنه يستحق أن يُناقَش. وأول ما يطالعنا فيه فصل بعنوان "تحية للمؤرّخ كمال الصليبي"، في نحو ست صفحات (ص 15-20)، يدافع فيه الفغالي عن حرية الصليبي في الرأي والتعبير، وينتقد دور النشر الغربية التي امتنعت عن إصدار كتبه "بسبب أفكار ما اعتادت عليها أوروبا" (ص 15). ثم يشيد بعمله الأول في الكتاب المقدس، "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، فيقول: "أُعجبت بهذا المجهود" (ص 54)، ويصف بحثه في التاريخ والجغرافيا بأنه "مجهود جبار" (ص 19). ويثني على كثرة مراجعه ومعرفته بالعبرية وإلمامه الواسع بمنطقة الجزيرة، ويعدّ نظريته "افتراضًا يصلح للمناقشة" (ص 54). وفي محاضرة التأبين يقول إنه يتكلم عنه "بملء الاحترام" (ص 15)، ويعترف بأنه فرح بكتاباته في تاريخ لبنان، ولا سيما ما يتعلق بالموارنة، وإن خالفه الرأي أحيانًا. وأنا لستُ مارونيًا، بل بيزنطيٌّ ملكيّ، ومع ذلك أقرأ في هذا الإقرار إنصافًا لا مجاملة. وفي خاتمة الكتاب يصفه بأنه "مؤرخ يستحق بجدارة هذا الاسم" (ص 217). وهو لا يردّ المنهج كله. يقرّ بأن دراسة أسماء المواضع طريقة معتمدة منذ زمان بعيد، وإنما يأخذ على الصليبي أنه اكتفى بها وأهمل نتائج علماء الآثار. ويقول إن الاستعانة بالعربية لفهم العبرية جرّبها هو نفسه في الترجمة المشتركة مع الشاعر يوسف الخال. ويعلّق على اختلاف الأناجيل في الرواية: "والحمد لله أن هناك اختلافات" (ص 18)، فهو لا يطلب أناجيل متطابقة. أما اعتراض الفغالي على التطبيق، يمكن فحصه بالنص، أسرد هنا شذرات أمثلة:- يقول إن قائمة تبدّل الحروف مفتوحة الاحتمالات، حتى يمكن أن يُوجَد بها أي اسم في أي مكان (ص