تضع الخلافات التي تشهدها بعض الاتحادات المهنية السورية اليوم، هذه المؤسسات، أمام أسئلة تتجاوز خلافاتها الداخلية، لتصل إلى طريقة إدارتها وأسلوب اتخاذ القرار فيها، ومدى خضوعها للمساءلة والشفافية. وفي مرحلة تحاول فيها سوريا إعادة بناء مؤسساتها، تكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمؤسسات ثقافية يفترض أن تعبّر عن الفنانين وتدافع عن مصالحهم، وأن تدير ممتلكاتها ومواردها بما يحفظ حقوق أعضائها ويضمن مشاركتهم في القرارات التي تخصهم. وفي قلب هذا الاختبار، برزت الأزمة الأخيرة داخل اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين لتقدّم نموذجاً مكثفاً لشرعية القرار النقابي وحدود الاستثمار المالي للمرافق الثقافية. بدأت معالم المشكلة تتكشف عقب تداول أنباء وطروحات تسعى لتغيير مستثمر صالة "الرواق العربي- خزان ناظم باشا" في منطقة العفيف بدمشق، التي يرى كثير من المثقفين أنها تشكل جزءاً حياً من ذاكرة الحركة التشكيلية السورية منذ ثمانينيات القرن الماضي. وسرعان ما تحول الملف من مجرد خلاف حول عقد استثماري إلى نقد نقابي وإعلامي واسع طاول إدارة الاتحاد ورئيسه، وقادته أطراف بارزة داخل الاتحاد. وبرز منها النحات عماد الدين كسحوت رئيس فرع دمشق الذي أصدر بيانات متتالية أكد فيها أن فرعه لا علم له بالصفقة المبرمة بشأن صالة "الرواق العربي" ولم تُستشر الإدارة الفرعية بخصوصها. وأشار كسحوت إلى أن الصالة مساحة ثقافية وذاكرة فنية للمبدعين وليست مجرد عقار استثماري يجلب الربح التجاري. ودعا للتحرك وإصدار طلبات رسمية لوقف العقد وحماية هوية الصالة. أما الفنان والخطاط صالح الهجر، فقد وجه بدوره مذكرة مفتوحة ومناشدة إلى وزير الثقافة، اتهم فيها قيادة الاتحاد بالإهمال والتفرد بالقرار، وجمع المناصب في يد نائب رئيس الاتحاد الذي بات يشغل ثلاثة مناصب مفصلية (نائب الرئيس، أمين السر العام، والأمين المالي). كما انتقد تسليم صالات الاتحاد لإقامة ورشات عمل خاصة وتحقيق "ريع مالي متقاسم"، مطالباً بتفعيل الرقابة المالية والإدارية، والاطلاع على الموازنة العامة لعام 2025، وتدقيق التعيينات الرسمية، داعياً لإقالة المكتب التنفيذي والدعوة لانتخابات عامة. الفنان التشكيلي إبراهيم برغود، الذي كُلِفَ مستشاراً لرئيس الاتحاد، أعلن استقالته عبر بيان أشار فيه إلى نكث الوعود بالإصلاح، وتغطية الفساد المالي وسوء إدارة ملف الاستثمارات. ولم تتوقف اتهاماته عند العاصمة، بل نشر تفاصيل حول تحويل مرافق خدمية بفرع الاتحاد في حلب إلى متجر تجاري بعقد سري، واصفاً ما يحدث بالإساءة لرمزية المؤسسات الثقافية. ودخل على خط الأزمة رسام الكاريكاتير علي فرزات، عبر منشورات علنية في وسائل التواصل، دعا فيها الفنانين للاحتجاج وإيقاف ما وصفه بـ"عملية نهب الصالة الوحيدة لملتقى الفنانين تحت عناوين استثمارية بشعة". بالتوازي مع البيانات، انتشرت وثائق ومنشورات تشكك في التاريخ الأكاديمي لرئيس الاتحاد د.محمد صبحي السيد يحيى، الذي يحمل شهادة دكتوراه صادرة العام 2015 من مؤسسة تُدعى (La Haye Applied Sciences University) في هولندا، قيل إنها غير معترف بها، وتُصنَّف على أنها "جامعة وهمية". وأمام هذا التصعيد، أصدرت قيادة الاتحاد تعميماً رسمياً يحظر على الأعضاء نشر، أو تداول أي معلومات، أو مستندات، أو قرارات داخلية في وسائل التواصل أو الإعلام من دون إذن كتابي مسبق، مهددة باتخاذ عقوبات مسلكية وتأديبية تصل إلى الشطب وإحالة المخالفين إلى القضاء. إلا أن الضغط النقابي أثمر اجتماعاً مع نائب وزير الثقافة سعد نعسان، بحضور عدد من الفنانين والممثلين النقابيين، أسفر عن إيقاف الأعمال في صالة الرواق العربي وإحالة عقد الاستثمار إلى الشؤون القانونية بالوزارة وهيئة الرقابة والتفتيش للبت في مدى قانونيته. وفي مقابل ما نشر في السوشال ميديا، تتردد داخل أروقة الاتحاد رواية مغايرة تُرجع هذا الهجوم إلى "تضارب مصالح شخصية" واستياء ناجم عن ضبط التجاوزات وضياع مكاسب فردية، وفق ما ينقله مصدر مطلع. ولتبيان الرواية الرسمية، وجهت "المدن" أسئلة إلى الفنان د. محمد صبحي السيد يحيى، رئيس الاتحاد المكلف، حول الانتقادات الموجهة إلى إدارته وقراراتها. وفي ما يتعلق بصالة الرواق العربي، نفى السيد يحيى ما نُسب إليه من الانفراد بقرار عقد الإدارة الخاص بصالة الرواق العربي من دون علم فرع دمشق أو مشاركته، فالقرار كما يقول: "لم يكن فردياً ولا انفرادياً، بل صدر عن الاتحاد صاحب الاختصاص وفق القانون رقم (55) لعام 2004 والنظام الداخلي، وبعد استيفاء الإجراءات التنظيمية والقانونية اللازمة. والواقع أن ما أُثير حول عدم إعلام فرع دمشق هو في حقيقته خلاف للحقيقة ولا يمت للواقع السليم بأي مصداقية". وبخصوص استقالة مستشاره والمذكرات المرفوعة للوزارة ضد إدارته، أنكر رئيس الاتحاد "الاته