أحياناً تكون الرسالة الأهم في قرارات البنوك المركزية هي تلك التي يتجنب المسؤولون إعلانها. هذا ما فعله كيفن وارش في اجتماع تشرين الأوّل/أكتوبر، حين أبقى الفائدة الأميركية عند نطاق 3.75% إلى 4%، وامتنع عن تقديم أي تعهد بشأن الخطوة التالية. ومع ذلك، خرجت الأسواق من الاجتماع وهي ترجح رفع الفائدة في كانون الأوّل/ ديسمبر باحتمال يقارب الـ 85%. لقد نجح رئيس الفيديرالي في تأجيل القرار، مع الحفاظ على التوقعات التي تتيح له تنفيذه لاحقاً. اللافت أن وارش استخدم قوة الاقتصاد لتبرير استمرار الحذر من التضخم، وهي القوة نفسها التي كان يفترض أن تمنحه مساحة أطول لانتظار آثار التشديد السابق. النمو يتجاوز الـ 3% وفق تقديرات الربع الثالث، والاستثمار في الأعمال يسجل زيادات من خانتين، وطلبات إعانة البطالة لا تزال قرب مستويات منخفضة تاريخياً. لكن هذه الأرقام تطرح تساؤلاً مهماً: هل أصبح الاقتصاد الأميركي أكثر قدرة على تحمل الفائدة المرتفعة، أم أن طفرة التكنولوجيا تخفي هشاشة متزايدة في بقية قطاعاته؟ هذا التناقض قد يحدد مصير السياسة النقدية خلال 2027. فالاقتصاد الذي يراقبه الفيديرالي أصبح يعتمد بصورة متزايدة على استثمارات ضخمة تقودها شركات تملك سيولة هائلة، بينما تتعامل الأسر والشركات الأصغر مع عوائد سندات تتجاوز الـ 5% وتكاليف تمويل مرتفعة. وقد يؤدي رفع الفائدة مجدداً إلى تعميق الفجوة بين الطرفين، من دون ضمان تراجع التضخم بالسرعة المطلوبة. اقتصاد قوي... لكن من الذي يصنع هذه القوة؟ في تصريحات وارش ما يستحق التوقف عنده أكثر من توقع زيادة ديسمبر. فقد رفض اعتبار النمو القوي دليلاً على أن الاقتصاد يعمل فوق طاقته، وأشار إلى أن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالتكنولوجيا قد تسمح للولايات المتحدة بالنمو بوتيرة أسرع من دون توليد تضخم مماثل. هذه الفكرة قد تكون صحيحة، وتحمل في الوقت نفسه أحد أكبر التحديات أمام الفيدرالي. فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي يرفع الناتج والطلب على المعدات والكهرباء ومراكز البيانات اليوم، فيما تحتاج مكاسبه الإنتاجية إلى وقت أطول كي تنتشر في بقية الاقتصاد. الشركات تنفق المليارات الآن على بناء القدرة التكنولوجية، بينما لا تزال الفوائد الكاملة لهذه الاستثمارات في مرحلة التحقق. والأكثر أهمية أن طفرة الاستثمار الحالية تختلف عن دورات التوسع التقليدية؛ فشركات التكنولوجيا الكبرى تستطيع تمويل جانب واسع من الإنفاق من أرباحها وتدفقاتها النقدية، ولذلك قد لا يغير رفع الفائدة ربع نقطة قراراتها بصورة جوهرية. أما الشركات التي تعتمد على الاقتراض، فتواجه حسابات أكثر صعوبة كلما ارتفعت تكلفة رأس المال. هكذا يستطيع الفيديرالي أن يشدد السياسة النقدية، ويستمر الاستثمار الإجمالي في الارتفاع بفضل عدد محدود من الشركات. وفي المقابل، قد تتراجع خطط التوسع والتوظيف في قطاعات أقل قدرة على التمويل، قبل أن يظهر هذا الضعف في أرقام النمو الرئيسية. وهذا يفسر جانباً من القلق بشأن قدرة الفيديرالي على معالجة التضخم الحالي. فقد ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 3.7% سنوياً في سبتمبر، وسط صعود أسعار الطاقة بنحو 20.4%. وتنتقل هذه التكاليف إلى النقل والإنتاج والخدمات، فتضغط على هوامش أرباح الشركات والقوة الشرائية للأسر. رفع الفائدة يستطيع الحد من الطلب ومنع بعض الزيادات السعرية من التحول إلى تضخم مستمر، لكنه يترك مصادر مهمة للضغط خارج نطاق تأثيره المباشر. وإذا واصلت أسعار الطاقة ارتفاعها، فقد يضطر البنك المركزي إلى إضعاف الاستهلاك بدرجة أكبر لتحقيق انخفاض محدود نسبيًا في التضخم. هنا يصبح حديث وارش عن الإنتاجية مثيرًا للاهتمام. فإذا كانت التكنولوجيا تسمح للاقتصاد بإنتاج المزيد بكلفة أقل مستقبلاً، فإن المبالغة في التشديد قد تضعف بعض الاستثمارات التي يحتاجها الاقتصاد لتعزيز قدرته الإنتاجية. لكن التساهل قبل ظهور هذه المكاسب قد يسمح بترسيخ توقعات التضخم، خصوصًا مع استمرار صدمات الطاقة. إنها معادلة صعبة، ويبدو أن وارش اختار شراء مزيد من الوقت قبل اتخاذ قرار بشأنها. مشهد عام للاحتياطي الفيدرالي (الموقع الرسمي للاحتياطي الفيدرالي) عندما ترفع الأسواق الفائدة بدلاً من الفيديرالي أقر رئيس الفيديرالي بأن الأوضاع المالية أصبحت أكثر تشدداً منذ زيادة سبتمبر، لكنه امتنع عن وصفها بأنها مشددة بالفعل. هذا التمييز مهم، لأنه يعني أن البنك المركزي ما زال يرى مجالاً لزيادة تكلفة الاقتراض إذا استمر التضخم مرتفعاً. لكن هل يحتاج الاقتصاد فعلاً إلى قرار جديد كي يشعر بالمزيد من التشديد؟ عائد سندات الخزانة الأميركية لعشر سنوات يدور قرب 5%، بعدما تجاوز الـ 5.3% خلال أكتوبر. وهذه العوائد تؤثر في الرهن العقاري وتمويل الشركات وتقييمات الأسهم، وتنتقل آثارها تدريجيًا إلى قرارات الاستثمار والاستهلاك. في المقا