تدخل إسرائيل مرحلة سياسية معقّدة، بعدما أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية عجز المعسكرين المتنافسين عن تأمين الأكثرية اللازمة لتشكيل الحكومة. لكن المأزق يتجاوز توزيع المقاعد داخل الكنيست، ليفتح سؤالاً أكثر خطورة بالنسبة إلى لبنان: من يملك قرار الحرب إذا بقي بنيامين نتنياهو على رأس حكومة انتقالية، وسط تصاعد التوتر مع إيران واستمرار التهديدات العسكرية الإسرائيلية؟ وبحسب نتائج الفرز الأولية، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً من أصل 120، ما يجعل تشكيل الحكومة مرهوناً بمفاوضات قد تطول، وربما تنتهي إلى حكومة وحدة أو انتخابات جديدة. وفي هذه الأثناء، قد يستمر نتنياهو في رئاسة حكومة انتقالية، من دون أن يفقد تلقائياً صلاحياته التنفيذية والأمنية. وهنا تكمن المفارقة: فغياب الأكثرية البرلمانية لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على اتخاذ قرارات عسكرية كبرى، بما فيها تلك المتعلقة بالجبهة اللبنانية. فماذا يقول القانون الإسرائيلي؟ تنص المادة 40 من القانون الأساسي للحكومة على أن قرار بدء الحرب، أو تنفيذ عملية عسكرية كبيرة يُرجّح بدرجة تقارب اليقين أن تؤدي إليها، يعود إلى الحكومة، مع إمكان تفويض الصلاحية إلى المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، المعروف بـ"الكابينت"، وفق شروط محددة. وبالتالي، لا يستطيع رئيس الوزراء إعلان الحرب منفرداً، كما لا يملك الجيش صلاحية مستقلة لفتح مواجهة واسعة. لكن القانون يسمح بتنفيذ العمليات العسكرية الضرورية للدفاع عن الدولة وأمنها، ما يترك هامشاً للتحرك العملياتي من دون اعتبار كل عملية إعلاناً جديداً للحرب. كذلك، تحتفظ الحكومة الانتقالية بصلاحياتها إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وإن كانت تخضع لمبدأ ضبط النفس في القرارات الكبرى غير الملحّة. وهذا يعني أن ضعف الغطاء البرلماني لا يشكّل مانعاً قانونياً تلقائياً أمام اتخاذ قرارات عسكرية، خصوصاً عندما تُطرح تحت عنوان الأمن القومي أو مواجهة تهديد مباشر. وبالنسبة إلى لبنان، تكمن حساسية هذه المعادلة في أن العمليات الإسرائيلية على الجبهة الجنوبية قد تستمر أو تتوسع بينما تنشغل الأحزاب بتشكيل الحكومة. فالمؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخبارية تواصل عملها وتقديم تقديراتها وخططها، فيما يبقى القرار السياسي النهائي بيد الجهات المخوّلة قانوناً. وتزداد المخاطر مع ارتباط الجبهة اللبنانية بالملف الإيراني. فإذا اندلعت مواجهة أميركية إسرائيلية جديدة مع طهران، ستجد القيادة الإسرائيلية نفسها أمام حسابات تتعلق باحتمال تدخل حزب الله، ومستوى التهديد على الحدود الشمالية، وكلفة فتح جبهة إضافية. وقد تدفع هذه التقديرات نحو تعزيز الجاهزية أو تنفيذ عمليات عسكرية، من دون أن يعني ذلك وجود قرار مسبق بشن حرب شاملة. في المقابل، قد يقيّد المأزق الحكومي نتنياهو سياسياً، إذ يمكن لأي حرب طويلة أو تعبئة واسعة للاحتياط أو خسائر اقتصادية كبيرة أن تتحول إلى مواجهة داخلية حادة. كما يستطيع الكنيست الجديد ممارسة الرقابة والضغط على الحكومة، وإن كان لا يمتلك سلطة مباشرة لإدارة العمليات العسكرية. لكن هل يمكن أن تتحول الحرب إلى مخرج من الأزمة السياسية؟ لا تتوافر معطيات موثوقة تثبت أن نتنياهو يعتزم استخدام التصعيد ضد لبنان لمعالجة مأزقه الحكومي. ومع ذلك، فإن تزامن الأزمة السياسية مع التوتر الإقليمي يفرض مراقبة العلاقة بين الحسابات العسكرية والتوازنات الداخلية، خصوصاً أن أي مواجهة قد تعيد ترتيب التحالفات والأولويات داخل الكنيست، أو تزيد الضغوط على الحكومة القائمة. ويبقى الخطر الأكبر على لبنان احتمال الانتقال من عمليات محدودة إلى تصعيد واسع نتيجة سوء التقدير، ولا سيما إذا تداخلت التطورات على الحدود الجنوبية مع مواجهة إقليمية تشمل إيران. لذلك، لا تكفي متابعة مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية لتقدير احتمالات الحرب، بل ينبغي مراقبة القرارات العسكرية الرسمية، والتغييرات في الانتشار والجاهزية، وطبيعة العمليات الميدانية، والمواقف الأميركية والإيرانية، بحثاً عن مؤشرات فعلية إلى الانتقال من التهديد إلى التنفيذ. والخلاصة أن إسرائيل قد تبقى بلا حكومة جديدة تتمتع بأكثرية مستقرة، لكنها لن تكون بلا سلطة تنفيذية أو قيادة عسكرية. فنتنياهو يستطيع مواصلة إدارة الملفات الأمنية ضمن الصلاحيات والقيود القانونية للحكومة الانتقالية. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن غياب الأكثرية في الكنيست لا يعني غياب القدرة على شن الحرب. والسؤال الأخطر ليس من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات، بل ما الذي قد تقرره الحكومة القائمة قبل انتهاء أزمة تشكيل السلطة الجديدة.