دخلت الانتخابات الإسرائيلية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والأمنية، بعدما طفت إلى السطح شبهات عن تدخل قطري محتمل في العملية الانتخابية، ما دفع رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، إلى مطالبة جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" بالتحقيق في معلومات تتعلق بتمويل أجنبي محتمل وأنشطة يُشتبه في ارتباطها بالتأثير على التصويت داخل المجتمع العربي. وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، بينما لم تسفر نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت الثلاثاء عن أكثرية واضحة لأي من المعسكرين، في ظل حصول معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، و19 مقعداً للأحزاب العربية، وفق نتائج الفرز الجزئية. وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناة 13 و"تايمز أوف إسرائيل" ويدعوت احرونوت، فإن التحقيق يتعلق بشبهات استخدام أموال من جهات أجنبية للتأثير في المشاركة الانتخابية داخل المجتمع العربي، وسط تقارير تشير إلى احتمال وجود دور قطري في تمويل مجموعات عملت على تشجيع الناخبين على الاقتراع. غير أن هذه الاتهامات لم تُثبت قضائياً حتى الآن، كما لم يصدر إعلان رسمي يحسم مسؤولية قطر عن أي نشاط مخالف للقانون الانتخابي الإسرائيلي. وكشفت تقارير إسرائيلية أن رئيس الشاباك دافيد زيني طلب عقد اجتماع خاص مع القاضي سولبرغ، الأربعاء، وأطلعه على معلومات تتعلق بشبهات التدخل الأجنبي، قبل أن يوجّه الأخير رسالة رسمية يطلب فيها متابعة التحقيق. ونقلت القناة 12 أن الشاباك كان يحتفظ بالمعلومات منذ عدة أيام، بانتظار تعزيزها بمعطيات إضافية، فيما نقلت هيئة البث الإسرائيلية "كان" عن مصدر أمني مجهول أن التحقيق بدأ بالفعل خلال الأسبوعين الماضيين، أي قبل فتح صناديق الاقتراع. وبحسب المصدر نفسه، فإن التحقيق يستند إلى معلومات استخبارية وصفها بالجدية، مشيراً إلى أن الأجهزة المختصة تعمل على استكمالها خلال الأيام المقبلة. لكن هذه الرواية تبقى منسوبة إلى مصدر أمني لم تُكشف هويته، ولا تشكل إعلاناً عن ثبوت المخالفات. وفي تطور موازٍ، أعلنت الشرطة الإسرائيلية توقيف أربعة مشتبه بهم إضافيين في تحقيق منفصل يتعلق بشبهات رشوة انتخابية لمصلحة القائمة العربية الموحدة "راعم"، بعدما كانت قد أوقفت ثلاثة أشخاص يوم الاقتراع. وتولت وحدة الجرائم الخطيرة "لاهاف 433" استجواب المشتبه بهم، فيما أكدت "راعم" أن الموقوفين ناشطون في صفوفها ونفت الاتهامات الموجهة إليهم. ولم يتضح بعد ما إذا كان هذا التحقيق مرتبطاً بملف التدخل الأجنبي الذي يتولاه الشاباك، ما يفرض التمييز بين القضيتين وعدم التعامل معهما بوصفهما ملفاً واحداً. وسرعان ما انتقلت القضية من المسار الأمني إلى صلب الصراع على تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة. فقد سارع حزب الليكود إلى توظيف التحقيق سياسياً، معتبراً أن الشبهات المتعلقة بالتدخل الأجنبي تمنع الأحزاب الإسرائيلية من التعاون مع القائمتين العربيتين، سواء لتشكيل حكومة بديلة أو لاستبدال رئيس الكنيست. وذهب الحزب إلى اتهام جهات أجنبية بمحاولة التأثير في تركيبة البرلمان الإسرائيلي، مستخدماً خطاباً تحذيرياً من وصول الأحزاب العربية إلى موقع مؤثر في تشكيل السلطة. وهي اتهامات سياسية لم تتحول حتى الآن إلى نتائج تحقيق مثبتة. في المقابل، حذّر آيزنكوت من استغلال التحقيق لتأجيل أداء الكنيست الجديد اليمين الدستورية، في موقف يعكس المخاوف داخل معسكر المعارضة من تحويل الشبهات الأمنية إلى أداة لتعطيل الانتقال السياسي. أما الشرطة الإسرائيلية، فشددت على أنها ستحقق في أي شكوى جدية تتعلق بنزاهة الانتخابات، بعدما كانت قد أشارت سابقاً إلى عدم وجود أدلة تدعم اتهامات عامة بتزوير واسع النطاق. وتكمن خطورة هذه التطورات في ارتباطها المباشر بالحسابات البرلمانية. فمعسكر نتنياهو لا يمتلك المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة، فيما يحتاج معسكر آيزنكوت إلى تعاون أو دعم سياسي من النواب العرب لعبور هذه العتبة. وبذلك، تتحول الشبهات المتعلقة بالتدخل الأجنبي إلى عنصر جديد في المعركة على شرعية التحالفات المقبلة، ولا سيما أن الأحزاب العربية حققت حضوراً برلمانياً غير مسبوق وفق نتائج الفرز الجزئية. وتفتح القضية أسئلة تتجاوز حدود التحقيق الأمني: هل يتمكن الشاباك من تقديم أدلة على وجود تمويل خارجي مخالف للقانون؟ وهل تنعكس نتائج التحقيق على مسار تشكيل الحكومة؟ أم تتحول القضية إلى مواجهة سياسية طويلة حول دور الناخبين العرب في تحديد السلطة الإسرائيلية؟ وحتى صدور نتائج رسمية، تبقى الوقائع الثابتة محصورة بفتح التحقيقات ووجود شبهات قيد الفحص، فيما لا تزال الاتهامات المتعلقة بالتمويل القطري أو التأثير غير المشروع في النتائج بحاجة إلى إثبات. وهكذا تجد إسرائيل نفسها أمام أزمة مزدوجة: برل