لم تُعلن النتائج الرسمية لانتخابات الكنيست، لكن بعد فرز 100% من الأصوات من دون المغلفات المزدوجة، ظهرت حقيقة مرة بالنسبة لمعسكري المنافسة. ذلك أن النتائج لم تعد تُقاس بعدد المقاعد التي نالها كل معسكر، بل بتلك التي قد تمنع كل من بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت من تشكيل الحكومة. وبطبيعة الحال، فإن عدم حصول أي طرف على الأغلبية المطلقة يعني نهاية معادلة حكمت إسرائيل لسنوات، وتمثلت بقدرة اليمين على نيل أغلبية صلبة من 61 مقعداً بشكل منفرد، وبالتالي فإن الحدث الأبرز في ما رشح عن الانتخابات الأخيرة لا يكمن في تراجع نتنياهو بل في تقدّم الكتل العربية لترفع عدد مقاعدها، وهذا التقدم لا يمكن النظر إليه من ناحية الكم فقط، بل يمكن اعتباره نوعاً من التحول الملموس في بنية النظام السياسي الإسرائيلي. ولعلّ أبرز ما تمخضّت عنه انتخابات الثلاثاء، هو استفادة القوائم العربية من الانقسام. وقد خلصت إليه بالاستناد إلى تجاربها السابقة، فعندما كانت موحدة كان من السهل إقصاؤها ووضعها خارج معادلة الحكم، أما الآن فتحوّل العرب إلى "بيضة القبان" في أي معادلة وذلك لاعتبارات: أوّلاً، مع انقسام العرب إلى كتلتين أصبحوا يمتلكون ورقتي تفاوض بدلاً من واحدة، إذ يمكن للقائمة الموحدة (رعام) أن تتفاوض مع معسكر نتنياهو فيما تتفاوض المشتركة مع كتلة آيزنكوت، وعليه الانقسام هنا لم يضعفهم، بل أعطاهم قناتي ضغط وذلك أقوى من واحدة قد تُسد طرقها بسهولة. ثانياً، لعب دور المانح للشرعية: إذ لم يعد ممكناً أن يدعي نتنياهو وأيزنكوت أن أياً منهما يمثل أغلبية يهودية صافية، بل باتا في موقع الحاجة إلى غطاء عربي لتمرير الحكومة. وهذا ما حوّل العرب من كتلة يتم إقصاؤها عنصرياً إلى كتلة تمنح الحياة لأي حكومة إسرائيلية مقبلة. ثالثاً، دور المعرقل: ذلك أنه حتى لو لم يشارك العرب في أي حكومة، فإن مجرد صعوبة تشكيلها من دونهم تمنحهم "فيتو"، بحيث لا يمكن لأي حكومة أن تبصر النور إلا من خلالهم، سواء شاركوا فيها أو امتنعوا عن دعم من يؤلفها. وعليه، يمكن قراءة تأثير الاعتبارات المذكورة آنفاً من خلال 3 سيناريوهات تتعلق بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة: الأول، سيناريو نتنياهو: وقد حصل بحسب النتائج الأولية على 53 مقعداً، ما يجعله بحاجة إلى كتلة الموحدة، وهذا ما يحوّل رعام من حزب هامشي إلى شريك يفرض شروطه، ويضعه في موقع الوسيط المقبول. الثاني، سيناريو آيزنكوت (حصل على 48 مقعداً): والذي يمكن بموجبه تشكيل حكومة أقلية مدعومة من الخارج من دون مشاركة فعلية عبر التوزير. بمعنى حكومة تحظى بدعم أو امتناع القائمة المشتركة عن التصويت ضدها. وهذا سيناريو هش دستورياً لكنه يجسد دور المشتركة كـ"مانح للشرعية". الثالث، سيناريو نتنياهو آيزنكوت: أي حكومة وحدة وهذا دونه اعتبارات معقدة خصوصاً أن آيزنكوت يريد إقصاء نتنياهو وهذا قد يتطلب انشقاقاً داخل الليكود يكاد يكون مستحيلاً أقله في المرحلة الراهنة، وفي هذا تكريس لدور القوائم العربية كمعرقل لتشكيل أي حكومة مستقبلية. خلاصة القول، إن ما أفرزته انتخابات الكنيست الأخيرة يوحي بما لا يقبل الشك بأن العرب لم يعودوا هامشاً في اللعبة السياسية الداخلية في إسرائيل بل تحولوا إلى رقم صعب قد يدفع بالأحزاب الإسرائيلية إلى خوض انتخابات جديدة غير محسومة النتائج وفي داخلهم رعب من معادلة سياسية جديدة تقول إن مفاتيح الحلول الحكومية لم تعد في تل أبيب، بل في شفاعمرو والطيبة. وهذا ما يضع العرب أمام السؤال الأهم: هل سيحسنون توظيف الإنجاز وانتزاع الثمن الذي يريدونه أم سيعودون إلى المعارضة؟