أنجزت شركة صغيرة العمل، وسلّمت الطلبية، وأرسلت الفاتورة. لكن المال لم يصل، فيما اقترب موعد الرواتب والإيجار ومستحقات الموردين. لا تحتاج الشركة في هذه اللحظة إلى زبون جديد بالضرورة؛ تحتاج إلى أن يدفع زبونها الحالي. هنا يظهر الفرق بين الربح والسيولة. قد يُسجَّل البيع الآجل إيراداً بعد استيفاء شروط الاعتراف المحاسبي، لكنه لا يضع نقوداً في الحساب. ويمكن لمشروع مربح أن يواجه أزمة إذا دفع تكاليفه قبل تحصيل مبيعاته، خصوصاً عندما تكون احتياطياته محدودة. تأخر التسديد... حين يمول المورد زبونه ليست كل فترة انتظار تأخيراً في الدفع. إذا اتفق الطرفان على التسديد خلال 90 يوماً، يكون الدفع في اليوم التسعين ملتزماً بالعقد، لكنه قد يظل مرهقاً للمورد. أما التأخير، فيبدأ بعد تجاوز الموعد المستحق. في مثال افتراضي، تنفذ شركة طلبية بقيمة 100 ألف دولار، وتتحمل تكاليف مباشرة قدرها 80 ألفاً. يتبقى هامش إجمالي قدره 20 ألف دولار قبل المصاريف الأخرى، لكن العميل سيدفع بعد ثلاثة أشهر، بينما تُستحَق الأجور وفواتير الموردين قبل ذلك. يتعين على الشركة تمويل هذه الفجوة. وإذا تأخر العميل شهراً إضافياً، قد ترتفع تكلفة الاقتراض، أو تضطر إلى تأجيل مشتريات ورفض طلبية جديدة. وهكذا، يمكن أن تتحول زيادة المبيعات نفسها إلى ضغط إذا احتاجت كل طلبية إلى أموال لا تعود سريعاً. ولا يقف الأثر عند الشركة المنتظرة؛ قد تؤخر بدورها الدفع إلى مورد أصغر، فتنتقل فجوة السيولة عبر سلسلة الأعمال من حلقة إلى أخرى. حلول خليجية لدعم سيولة المشاريع الصغيرة تتوافر في بلدان الخليج العربي خيارات لتمويل الفواتير ودعم سيولة المشاريع الصغيرة، بما يساعدها في تغطية التزاماتها قبل تحصيل مستحقاتها. في دولة الإمارات، أطلق "مصرف الإمارات للتنمية" بالشراكة مع منصة "زيلو" برنامجاً بقيمة 350 مليون درهم (نحو 95.3 مليون دولار)، يتيح، بحسب الإعلان، تمويل ما يصل إلى 95% من قيمة الفواتير المعتمدة المستحقة على جهات حكومية وجهات مرتبطة بالحكومة خلال 24 ساعة، بعد استيفاء متطلبات البرنامج. تتوافر في بلدان الخليج العربي خيارات لتمويل الفواتير ودعم سيولة المشاريع الصغيرة، بما يساعدها في تغطية التزاماتها قبل تحصيل مستحقاتها أما في السعودية، فقد أعلنت وزارة المالية قبل سنوات التزامها بتسديد أوامر الدفع الحكومية المكتملة خلال مدة لا تتجاوز 60 يوماً من ورودها إليها، وهي مدة لا تُحتسَب بالضرورة من تاريخ إصدار فاتورة المورد. وفي قطر، يقدم "بنك قطر للتنمية" تمويلاً للفواتير المحلية المؤهلة بنسبة تصل إلى 90% من قيمتها، بمعدل ربح معلن يتراوح بين 3% و5% سنوياً، وفق شروط وضمانات محددة. وفي البحرين، يتيح بنك البحرين للتنمية عبر منصة "تجارة" الدفع المبكر للموردين في مقابل فواتير يعتمدها المشترون المشاركون، ثم يسدد المشتري للمصرف وفق الاتفاق. هذه المسارات توفر أدوات لتنظيم التسديد أو الحصول على سيولة مبكرة، مع اختلاف نطاقها وتكاليفها وشروط الاستفادة منها. آجال التسديد بين المغرب وأوروبا في المغرب، يحدد القانون رقم 69.21، للمعاملات والجهات المشمولة بأحكامه، أجل التسديد عند 60 يوماً من إصدار الفاتورة عند غياب اتفاق، وحتى 120 يوماً باتفاق الطرفين. ويمكن إقرار استثناءات قطاعية تصل إلى 180 يوماً وفق الشروط القانونية. ومن الفروق المهمة أن غرامة التأخير تُدفَع إلى الخزينة، ولا تصبح تلقائياً تعويضاً نقدياً للمورد. هي أداة ردع، لكنها لا توفر له فوراً الأموال اللازمة لتشغيل مشروعه، مع بقاء مسألة المطالبة بالتعويض خاضعة إلى القواعد القانونية ذات الصلة. أما الإطار الأوروبي القائم، فينص عموماً على دفع الجهات العامة خلال 30 يوماً، وقد يمتد الأجل إلى 60 يوماً في حالات محددة. وبين الشركات، تكون القاعدة 60 يوماً، ما لم يُتّفَق صراحة على غير ذلك بشروط غير مجحفة للدائن، مع استحقاق فوائد وتعويضات لتكاليف التحصيل عند التأخير. وهذه آجال تنظيمية، ولا تعني أن الفواتير كلها تُسدَّد فعلياً ضمنها. تمويل الفواتير... الحصول على المال قبل تحصيل المستحقات يتيح تمويل الفواتير للشركة الحصول على جزء من مستحقاتها قبل تحصيلها من العميل. ومن صوره "التخصيم"، أي إحالة المستحقات إلى جهة تمويل في مقابل سيولة مبكرة بعد حسم التكاليف. وقد يتولى الممول التحصيل من العميل، أو تبقى هذه المهمة لدى الشركة، بحسب ترتيب التمويل. ويوضح "بنك الأعمال البريطاني" أن التمويل قد يوفر عادة 80-90% من قيمة الفواتير، ثم يُصرَف الرصيد بعد تحصيلها وحسم الرسوم. وتشمل التكلفة في الأغلب رسوم خدمة وأعباء تمويل مرتبطة بالمبلغ المستخدم ومدته. وتتوافر هذه الأدوات عربياً أيضاً؛ يعرض "إتش إس بي سي" في الإمارات تمويل مستحقات يصل إلى 90% من قيمة الفاتورة للعملاء المؤهلين، وفق شروط الموا