أنطوان أبو زيد شاعر وكاتب وأكاديمي وباحث لبناني من مواليد العام 1955. وضع ما يزيد عن 30 كتابًا في الشعر والسرد والبحث والنقد الأدبي والثقافي، وفي الترجمة عن الفرنسية. وعلى الرغم من غزارة إنتاجه الكتابي وجودته، قد يكون أبو زيد من الأسماء الأقل تداولًا وذيوعًا بين أبناء جيله من الشعراء والكتّاب في "سوق" الحياة الثقافية، لبنانيًا وعربيًا، والأشد عزلة وابتعادًا عن العلاقات والشبكات السائدة في هذه "السوق". وبعد حلقة أولى للتعريف بأنطوان أبو زيد، سيرةً عائلية، اجتماعية وثقافية، شاعرًا وكاتبًا مميزًا في نتاجه الشعري والنثري، هنا حلقة ثانية عنه. أنهى أنطوان المرحلة الابتدائية من تعلّمه في مدرسة برج حمود الأرمنية التابعة لدير بزمّار للأرمن الكاثوليك في كسروان. ولما رغب "ريس" المدرسة واقترح على أهله أن يتلقى ابنهم المجتهد والمتفوّق دراسيًا، تعليمًا إكليريكيًا في مدرسة الدير الداخلية، ليصير خوري رعيّة بعد تخرّجه، أَعجبت الفكرةُ والدته بناءً على رغبتها ونظرتها وإرادتها: إبعاد ابنها عن بيئة برج حمود الشعبية وفوضاها، وعن حياة العائلة، عائلة زوجها المقيمة في أرض ومنزل زراعيين على تخوم سن الفيل. فوالدة أنطوان كان مثالُها الاجتماعي نمط حياةَ أهلُها هي في ضاحية فرن الشباك المحلية، وشبه المدينية ربما لمرور طريق الشام فيها ولوقوعها على تخوم مدينة بيروت الأدارية. وتعتبر أن نمط العيش البلدي المحلي في تلك الضاحية "متمدّن" و"أرقى" من حياة أهل زوجها الفلاحية أو الزراعية على طرف سن الفيل. وفوق ذلك كان مثالُ أم أنطوان لتعليم أولادها، أحدهم على الأقل، يتحدر من فكرة تعود إلى حقبة الانتداب الفرنسي والبريطاني على الأرجح، وتنافسهما الثقافي والسياسي في المشرق. ومصدر تلك الفكرة مثال تربوي إنكليزي عن "المجتمع الراقي" في بريطانيا: تعليم الأولاد في مدارس داخلية مرموقة ليصيروا من كبار الموظفين بعد تخرّجهم منها. أما والد أنطوان المزارع في أرض لدير بزمّار بسن الفيل، فلم تكن تخطر في باله تلك الأفكار والمثالات. لكنه وافق على الأمر، بعد تدخّل الخوري بولس عريس راعي تحسين أحوال الأرمن وسكنهم في برج حمود، والواسع العلاقات، وصولًا إلى صلته بالرئيس كميل شمعون. فاتفق والدا أنطوان وعريس على أن يتلقى ابنهم تعليمه الإكليريكي في مدرسة داخلية مارونية، وليس أرمنية. وهكذا أُرسل الإبن، حينما كان في الـ13 من عمره سنة 1967، إلى مدرسة دير غزير للموارنة في كسروان ليكون تلميذًا داخليًا إكليريكيًا فيه. وسُلخ أنطوان، التلميذ الداخلي في نهاية طفولته وبداية فتوّته عن أهله وحياتهم ومجتمعهم الريفي الزراعي، وعن سيولة الحياة بين سن الفيل وبرج حمود ومدرستها الأرمنية، وباشر حياة جديدة في عزلة دير الموارنة ومدرسته الإكليريكية في غزير. وفي الدير ومدرسته الداخلية ربما لم يبقَ لأنطوان من خيط يصله بحياته في طفولته السابقة، سوى ما كان يتطلبه منه الاجتهاد والمواظبة على الدرس في مدرسته الابتدائية ببرج حمود: إقامته مسافةً ما عن جموع الطلاب. لكن تلك المسافة تحوّلت في الدير إلى قطيعة عن العالم الخارجي ومجتمعه، ولم يعد يتصل بهما سوى في أوقات متباعدة، حينما كن يزوره أهله آتين من سن الفيل إلى دير غزير. كانت مدرسة الدير الإكليريكية تدرِّس، إلى جانب الدروس الدينية، 5 لغات: العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية والسريانية. وعن حياته في الدير ومدرسته، روى أنطوان أن معظم التلامذة أقرانَه لم يكونوا يريدون أو يرغبون التعليم الإكليريكي، ولا أن ينهوه بأن يصيرو خوارنة في سلك رجال الدين بعد تخرّجهم. بل كانت كثرة منهم قد دخلت المدرسة الداخلية تلك لتلقّي التعليم فيها ولإعداهم عقب التخرّج منها بعد 5 سنوات، لمتابعة تحصيلهم العلمي، أو للانخراط في مجالات الحياة العامة وأعمالها. لكن الظاهرة اللافتة أن كثرة من هؤلاء التلامذة أرسلهم أهلهم المهاجرون الأثرياء في أميركا اللاتينية، كالبرازيل والأرجنتين وإفريقيا، كانوا محافظين، ويريدون لأولادهم أن يتلقوا تعليمًا محافظًا في البلاد وفي مداسها الداخلية، حرصًا من الأهل على ألاّ ينشأ أبناؤهم ويتطبّعوا بطباع تلك المهاجر وثقافاتها وأخلاقها، وينقطعوا عن عادات أهلهم وتقاليدهم وثقافتهم، معتقدين أن ذلك يؤدي إلى خسارتهم أبنائهم، وغربتهم عنهم وضياعهم في مهاجرهم. وكانت مثل هذه الاعتبارات سارية في بيئات لبنانية كثيرة مهاجرة في أزمنة ما قبل الحروب الأهلية بلبنان (1975 1990)، عندما كانت الأغاني الفولكلورية اللبنانية لا تتوقف عن نداء المغتربين ورجائهم للعودة إلى البلاد. لكن ذلك كله انتهى وزال في سنوات الحروب، بل انقلب إلى عكسه تمامًا في العقدين الأخيرين. فصار اللبنانيون، لا سيما في المجتمع المسيحي، يتنافسون على أن يصدّروا أبناءهم للتعلُّم والعمل والإقامة في أي من بلاد المعمورة، وحيازة جنسياه