الإسرائيليون انتخبوا الكنيست... فهل يشكّل ترامب حكومة تل أبيب؟ (أنطوان قسطنطين) انتخب الإسرائيليون ممثليهم في الكنيست، لكن مَن قال إنّ صناديق الاقتراع وحدها ستُحدِّد هوية الحكومة المقبلة؟ فقد تكون الانتخابات انتهت في إسرائيل، فيما يبدأ الفصل الأكثر تأثيراً في واشنطن: هل يتدخّل دونالد ترامب لجمع بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت في حكومة وحدة، لا لإنقاذهما من المأزق الانتخابي، بل لتنفيذ مشروع أميركي يعيد ترتيب الشرق الأوسط؟ هذا ليس خبراً عن قرار اتخذه ترامب، بل احتمال يستحق الاختبار. قبل الاقتراع، كشفت «واشنطن بوست»، أنّ شخصيات قريبة من الإدارة ناقشت مع إسرائيليّين صيغة حكومة وحدة، ربما يتناوب فيها الرجلان على رئاستها. وأفاد «أكسيوس» بأنّ مستشارين لترامب يرَون في حكومة أقل ارتهاناً لليمين المتطرّف شريكاً أسهل في ملفات المنطقة. لكنّ آيزنكوت رفض الشراكة مع نتنياهو، كما أنّ الموقف الأميركي نفسه ليس موحّداً. بين الاتصالات والقرار مسافة لا يجوز القفز فوقها. مع ذلك، تكشف الفرضية تبدّلاً في زاوية النظر إلى الانتخابات. لم تمنح النتائج الجزئية أياً من المعسكرَين أكثرية مضمونة، على الرغم من المشاركة الكثيفة والتقدّم اللافت للأحزاب العربية. وقد تجد إسرائيل نفسها أمام حكومة تصريف أعمال، أو مفاوضات وحدة وطنية، أو انتخابات أخرى. أمّا الاحتمال الذي يستحق التأمّل، فهو أن تتحوَّل أزمة تشكيل الحكومة إلى فرصة أميركية لإعادة صياغة الائتلاف وبرنامجه معاً. وهنا مفارقة أشدّ من الأرقام: أصوات المواطنين العرب قد ترجّح الأكثرية، ومع ذلك تتحفّظ قوى يهودية وازنة على الاستناد إليها. وفي الوقت الذي يُناقَش فيه استبعاد شريك داخلي محتمل، يُناقش في الخارج دور رئيس أميركي في تقريب الخصوم اليهود. ليست واشنطن ناخباً في الكنيست، لكنها قد تصبح مؤثرة في معادلة يعجز نوابه عن حلها. ترامب أيّد نتنياهو علناً، لكنّ بعض معاونيه يشكّكون في قدرته على خدمة جميع أهداف واشنطن. ونتنياهو بدوره قد يجد في حكومة الوحدة طريقاً للبقاء في السلطة والتخلّص من عبء حلفائه الأكثر تطرُّفاً. أمّا آيزنكوت، فيواجه معضلة أخرى: كيف يدخل شراكة مع الرجل الذي خاض الانتخابات لإزاحته، من دون أن يخسر معنى التفويض الذي طلبه من ناخبيه؟ تابعالحملات لهذا تبدو الحكومة المشتركة صعبة، لا مستحيلة بحكم الحسابات وحدها. وفي هذه الحال، قد تصبح الحكومة المنشودة أقل تعبيراً عن تبدّل المزاج الانتخابي، وأكثر استجابة لحاجة واشنطن إلى شريك قادر على اتخاذ قرارات إقليمية كبرى. لكن لماذا قد ترغب واشنطن بها؟ لأنّ حكومة تستند إلى قاعدة برلمانية أوسع تستطيع، نظرياً، أن تتحمّل قرارات لا تجرؤ عليها حكومة ضيّقة: ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، وتفاهمات أمنية مع لبنان، ومسار تفاوضي مع إيران، وربما فتح الباب أمام تطبيع إسرائيلي- سعودي. وعلى الضفة الأخرى، قد تمنح الوحدة نفسها غطاءً سياسياً أوسع لمواجهة جديدة مع طهران. لذلك فإنّ السؤال ليس: هل يستطيع ترامب جمع الخصمَين؟ بل: لأي مهمّة يريد جمعهما؟ في غزة، ليست المشكلة مجرّد تحجيم «حماس» عسكرياً. ماذا عن حكم القطاع وإعماره، وحقوق الفلسطينيّين، والضمانات التي تمنع إعادة إنتاج الحرب؟ أي برنامج أميركي يتجاهل هذه الأسئلة لن يصنع استقراراً، حتى لو ضمّ أكبر عدد من الأحزاب الإسرائيلية. وفي لبنان، لا تستطيع إسرائيل أن تفرض الاستقرار بالغارات أو استمرار الاحتلال. المطلوب وقف الاعتداءات، والانسحاب، وترتيبات قابلة للتحقق، تمكّن الدولة اللبنانية وجيشها من بسط السلطة وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم. وقد تفضّل واشنطن حكومة إسرائيلية تستطيع توقيع تفاهم كهذا وتنفيذه، لا الاكتفاء بفرض شروط عسكرية لا تدوم. تحليلاتمفاوضات أمّا إيران، فهي الامتحان الأكثر خطورة. هل تريد الإدارة الأميركية حكومة إسرائيلية منضبطة بإيقاع تفاوضها وردعها، أم شريكاً سياسياً وعسكرياً في ضربة جديدة؟ كلا الخيارَين ممكن في الجدل الأميركي، ولا يجوز التعامل مع حكومة الوحدة باعتبارها تلقائياً حكومة سلام. ومع ذلك، لا يعيّن الرئيس الأميركي رئيس حكومة إسرائيل. تشكيل الائتلاف يمرّ بالمؤسسات الإسرائيلية وبثقة الكنيست، والنفوذ الخارجي لا يلغي المصالح والخلافات الداخلية. لكنّ واشنطن تملك من الضمانات والضغوط والمساعدات والقدرة على تحديد جدول الأعمال الإقليمي ما يجعل تأثيرها في خيارات الساسة الإسرائيليّين عاملاً لا يمكن تجاهله. وهنا نعود إلى جوهر الأزمة: نتنياهو وآيزنكوت يتنافسان على مََن يدير القوة، لكنّ الانتخابات لم تُنتج حتى الآن جواباً حاسماً عن الغاية السياسية من استخدامها. وقد ينجح ترامب في تسهيل حكومة، من دون أن ينجح في صياغة سلام. وقد تُستخدم التسوية الحكومية لتوسيع الحرب، لا لإغلاق جبهاتها. لهذا، لا ينبغي للبنان أن ينتظر هندسة و