تستعد فرنسا لدخول مرحلة جديدة من الاحتجاجات والتصعيد الاجتماعي، مع دعوة حركة "السترات الصفراء" إلى التحرك في 31 تشرين الأول، بالتوازي مع استعداد 5 نقابات كبرى لتنظيم إضراب على مستوى البلاد في 5 تشرين الثاني، في وقت تتسع فيه المواجهة مع الحكومة لتتجاوز المطالب المعيشية إلى خلاف قانوني وسياسي بشأن القيود المفروضة على التجمعات ومدى احترام السلطات للرقابة القضائية على قراراتها الأمنية. وتواجه حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ضغوطاً متزايدة لاحتواء الغضب المرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، بينما يثير أسلوب التعامل مع الاحتجاجات خلافاً بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على النظام العام وضمان الحق في التظاهر. ولم تعد المواجهة مقتصرة على الشارع أو على مطالب المحتجين، إذ انتقلت أيضاً إلى المحاكم، حيث يتحدى محامون وطلاب ومنظمات مدافعة عن الحريات قرارات حظر التجمعات وفرض حظر التجول. وذكرت صحيفة "لوموند" في تقرير أن بعض المحامين اعترضوا على إعلان قرارات حظر التجول وبعض التدابير الأمنية قبل وقت قصير من بدء تنفيذها، معتبرين أن ذلك يقلّص الوقت المتاح للطعن بها أمام القضاء. وكانت محكمة إدارية في باريس قد ألزمت السلطات بتمديد قرارات حظر التجول في محيط ساحة الجمهورية في العاصمة، وفرضت حظراً على التجمعات في مناطق أخرى شملت محيط مؤسسات حكومية ومحطات رئيسية، بين 26 و29 تشرين الأول الجاري. وتقول السلطات إن هذه القيود تهدف إلى منع تكرار أعمال العنف والنهب، فيما يرى منتقدوها أن حظر التجمعات يجب أن يستند إلى مخاطر محددة، وأن يبقى متناسباً مع الضرورات الأمنية. وفي موازاة المسار القضائي، عادت حركة "السترات الصفراء" إلى واجهة المشهد الاحتجاجي، داعية إلى تحركات جديدة في أنحاء فرنسا يوم السبت 31 تشرين الأول، كما أعلنت تنظيم تجمعات بقرع الأواني والقدور مساء الجمعة 30 تشرين الأول، من بينها تجمع أمام الجمعية الوطنية في باريس. وتقول الحركة إن الإجراءات الحكومية تمثل تضييقاً على الحريات العامة، وتسعى إلى توسيع المشاركة في الاحتجاجات المرتقبة. وفي مسار موازٍ، دعت 5 نقابات كبرى إلى إضراب ومظاهرات يوم الخميس 5 تشرين الثاني، للمطالبة بزيادة الأجور والمعاشات، وتحسين تمويل الخدمات العامة، ودعم التوظيف والصناعة. ولم تتضح بعد درجة المشاركة في التحركات المقبلة أو حجم تأثير الإضراب المحتمل على المواصلات والخدمات. وتأتي هذه الدعوات بعد احتجاجات شهدتها فرنسا في 24 تشرين الأول، شارك فيها نحو 410 آلاف شخص في أنحاء البلاد، وفق وزارة الداخلية، بينهم 110 آلاف في باريس، بينما قدرت النقابة العامة للعمل "سي جي تي" عدد المشاركين بنحو 800 ألف. وكانت احتجاجات 17 تشرين الأول قد شهدت أعمال نهب وتخريب واشتباكات مع الشرطة في عدد من المدن، ما دفع السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية. وفي 24 تشرين الأول، نشرت السلطات نحو 70 ألف شرطي ودركي لتأمين المظاهرات، في عملية ساعدت على الحد من تكرار أعمال التخريب الواسعة، رغم استمرار وقوع اشتباكات واعتقالات. ومع توالي التحركات، اتسعت المطالب من قضايا الطلاب إلى الأجور وتكاليف المعيشة والخدمات العامة، في مؤشر على انتقال الغضب إلى قطاعات اجتماعية أوسع. وتضع التحركات المرتقبة الحكومة الفرنسية أمام اختبار جديد، إذ تسعى إلى منع تجدد العنف من دون تعميق الخلاف بشأن الحريات العامة، في وقت تواجه فيه أيضاً صعوبات في تمرير الموازنة وسط خلافات بشأن الإنفاق العام والضرائب.