في تطور سياسي دراماتيكي يهدد بإشعال أزمة جديدة في البرازيل، فرّ المرشح الرئاسي الخاسر فلافيو بولسونارو إلى الولايات المتحدة على متن طائرة خاصة، بعد ساعات من إعلانه أنه لم يفكر يوماً بمغادرة بلاده، وفي وقت كانت الشرطة الفيدرالية تتحرك لمصادرة جواز سفره على خلفية تحقيق في شبهات غسل أموال. ولم يكتفِ بولسونارو بالفرار، بل أعلن من الأراضي الأميركية أنه الرئيس المنتخب الحقيقي للبرازيل، متهماً السلطات بالتلاعب بنتائج الانتخابات، من دون تقديم أي دليل يدعم اتهاماته. وكشف تحقيق نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، أعدّه الصحافيان جيف داير ومايكل بولر من ساو باولو، تفاصيل رحلة سرية استمرت نحو 24 ساعة، تنقّل خلالها بولسونارو مع زوجته وابنتيه عبر الأرجنتين والإكوادور، وصولاً إلى مدينة ميامي الأميركية، وسط سلسلة من المعلومات المضللة التي ساهم حلفاؤه في نشرها لإخفاء تحركاته عن السلطات البرازيلية. وبدأت القصة عصر الاثنين، عندما نشر بولسونارو مقطع فيديو مصوراً بنفسه، شكر فيه مؤيديه بعد خسارته المفاجئة الانتخابات الرئاسية في الجولة الثانية أمام الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي نجح في تحقيق الفوز خلافاً لاستطلاعات الرأي. وأعلن بولسونارو في الفيديو أن الشرطة الفيدرالية طلبت منه تسليم جواز سفره في إطار تحقيق مستمر بشبهات فساد، معتبراً الخطوة محاولة لترهيبه. وقال يومها: "لم أفكر يوماً بمغادرة البلاد"، مؤكداً استعداده لتسليم جوازه، ومضيفاً: "لن يتمكن أحد من إسكاتي". لكن بعد أقل من يومين، وتحديداً فجر الأربعاء، كان بولسونارو وزوجته وابنتاه يترجلون من طائرة خاصة في مطار أوبا لوكا التنفيذي بمدينة ميامي، بعد رحلة معقدة سلكت مساراً غير مباشر لتجنب المجال الجوي البرازيلي. وكان المرشح اليميني قد تعهّد، عقب خسارته، بقيادة المعارضة ضد لولا، غير أن ظهوره في الولايات المتحدة فتح مواجهة سياسية وقضائية جديدة، بعدما قدّم نفسه باعتباره ضحية اضطهاد سياسي، وذهب أبعد من ذلك بإعلانه رفض الاعتراف بشرعية النتيجة الانتخابية. وفي بيان وزّعه حلفاؤه بعد وصوله إلى ميامي، وصف بولسونارو التحقيقات الجارية بحقه بأنها "حملة مطاردة ذات دوافع سياسية"، مدعياً أن نتائج الانتخابات تعرضت للتلاعب. وأضاف: "أقدّم نفسي إلى الشعب البرازيلي والمجتمع الدولي باعتباري الرئيس المنتخب الحقيقي للبرازيل"، من دون أن يرفق اتهامه بأي أدلة تثبت حصول تزوير. في المقابل، كان لولا قد وصف، الثلاثاء، احتمال فرار منافسه بأنه أمر "مخزٍ"، قائلاً إن "المواطن الذي يتسلل خارج البلاد تكون لديه عادة أمور يريد إخفاءها". وتعيد هذه الأزمة إلى الواجهة المصير القضائي لعائلة بولسونارو، إذ كان الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، والد فلافيو، قد حُكم عليه العام الماضي بالسجن لمدة 27 عاماً، بعد إدانته بالتخطيط لانقلاب يهدف إلى إلغاء نتائج انتخابات عام 2022 التي خسرها أيضاً أمام لولا. وبحسب التقرير، بدأت التحركات القضائية ضد فلافيو بولسونارو بعد دقائق من إعلان النتائج النهائية للانتخابات الأحد. ويؤكد أنصاره أن الشرطة الفيدرالية تقدمت بطلب لمصادرة جواز سفره بعد 7 دقائق فقط من إعلان النتيجة رسمياً، في خطوة يعتبرونها دليلاً على وجود دوافع سياسية وراء التحقيق. وقد وافق على الطلب قاضي المحكمة العليا ألكسندر دي مورايس، الذي يشرف على التحقيق المتعلق بشبهات غسل الأموال المنسوبة إلى بولسونارو. وينفي الأخير ارتكاب أي مخالفة، فيما لم تُوجَّه إليه حتى الآن اتهامات جنائية رسمية في هذا الملف. ويكتسب اسم مورايس أهمية خاصة، باعتباره القاضي نفسه الذي أدار المحاكمة التي انتهت بإدانة جايير بولسونارو العام الماضي. وبررت الشرطة طلب مصادرة جواز السفر بوجود مخاوف من احتمال فرار فلافيو خارج البلاد، ولا سيما أن شخصاً آخر يخضع للتحقيق في القضية نفسها، يُدعى ويلر توماز، كان موجوداً بالفعل في ولاية فلوريدا الأميركية. أما التفاصيل الأكثر إثارة فتتعلق بكيفية اختفاء بولسونارو والخداع الذي رافق رحلته. ففي صباح الثلاثاء، كان من المقرر أن يعقد سلسلة اجتماعات مع حلفائه في العاصمة برازيليا، لمناقشة الاستراتيجية السياسية بعد الهزيمة الانتخابية، لكنه اختفى فجأة وتوقف عن الرد على الرسائل. وكشف السناتور روجيريو مارينيو، منسق حملته الانتخابية، أنه تلقى رسالة نصية من بولسونارو عند الساعة 8 صباحاً، أبلغه فيها بأنه يحتاج إلى بعض الوقت لتصفية ذهنه. وأقرّ مارينيو بأنه فوجئ باختفائه، لكنه أبدى تفهماً للأسباب التي ربما دفعته إلى المغادرة، معتبراً أن تحرك الشرطة بدا وكأنه تمهيد لإجراءات أكثر تشدداً بحقه. وقال صديق للعائلة إن الجميع فوجئوا بما جرى، مضيفاً أن جايير بولسونارو نفسه لم يعلم باختفاء ابنه الأكبر إلا من خلال التقارير الإعلامية يوم