يوزّع حزب الكتائب، مباشرةً عبر وزير العدل عادل نصّار، أن الحزب بصدد إعادة إدراج بند إحالة شحنتَي المواد المتفجّرة المضبوطتين في ضهر البيدر والقصر على جدول أعمال مجلس الوزراء، في جلسة الأسبوع المقبل، لا في جلسة اليوم المنعقدة في السراي الكبير. والذريعة التي يعتمدها نصّار وحزبه لتسويق هذه الأنباء هي أن نصّار سبق أن وعد بإعطاء فرصة لخفض الاحتقان السياسي واستكمال الملف، والعودة به إلى الحكومة في غضون أسبوعين، بعد أن يكون قد انتهى من دراسته القانونية. في الحقيقة، لم تعد مشكلة الكتائب الفعلية في الإحالة بحد ذاتها، بل في الموقع الذي حشر نفسه فيه. فهو ووزيره لا يريدان أن يُسجَّل عليهما أنهما انخرطا في تسوية مع الحزب، أو فُرضت عليهما تسوية عقدها الرؤساء الثلاثة من دون أن يكون لهما رأي فيها، وأدّت إلى سكوتهما، وبالتالي إلى إخراج الشحنتين من معادلة المجلس العدلي. لذلك، يحاولان الإيحاء بأنهما مصرّان على الإحالة، وينفيان أمام الجمهور المسيحي أي دور لهما في عقد تسوية، كما يحاولان مزاحمة القوات اللبنانية في مسعاها إلى وسم كل من يتهرّب من الإحالة بأنه خائن لعهوده! غير أن الأمور، بعلم الكتائب والوزير نصّار والقوات اللبنانية والجميع، تجري في مكان آخر. فرئيس الجمهورية يكاد ينهي، ودعونا نقُل، لا صفقة، إنما اتفاقاً يقضي بأن تُنهي المحكمة العسكرية تحقيقاتها في الملف، ثم يتولّى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، الادعاء على الموقوفين وغير الموقوفين ممن ثبت تورّطهم فيها، ليبدأ بعدها المسار القضائي للملف. وليس سرّاً أن عون اقتنع بمقاربة مفادها أن إبقاء الملف في عهدة القضاء العسكري يتيح له استكمال مساره القانوني الطبيعي، والمضي في الإجراءات بسرعة، ثم الانتقال إلى جلسات المحاكمة. أما إذا أُحيل الملف إلى المجلس العدلي، فصحيح أن ذلك يحقّق مكسباً سياسياً في زرك الحزب، لكنه لن يتحوّل إلى قضية ذات مسار قضائي بقدر ما سيصبح قضية سياسية تُدخل البلاد في أتون مشكلة، وتُصعّب استكمال الإجراءات القضائية أمام مجلس التصقت به قضايا ماتت في أدراجه. كما أن عون، بحسب ما يُنقل، لا يريد منح حزب الله أي ورقة قوة يستطيع من خلالها التلويح بإسقاط الحكومة، مثلاً، أو إدارة نوع من الشغب المنظّم. وباختيار عون المضي في المسار العسكري، يكون قد ضرب مجموعة عصافير بحجر واحد: إبقاء الملف قيد التحقيق، بل إصدار توجيهاته بتوسيعه، ربطاً بالتزامات سبق أن قدّمها لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وفي الوقت نفسه تقديم تنازل لبري وحزب الله بعدم الذهاب إلى المجلس العدلي، وقبض ثمنه على شكل تهدئة مشروطة. بمعنى آخر، هندسة خياراته بما يحول دون السير في قطيعة كاملة مع الحزب، أو وسمه بصفة التنظيم الإجرامي. طلائع هذا الحل باتت ماثلة في جلسة مجلس الوزراء اليوم، التي ستُعقد في السراي الكبير، وغاب عن جدول أعمالها بند الإحالة إلى المجلس العدلي، لتقتصر على مناقشة بنود وملفات تتصل بوزارة البيئة، من دون أن يعني ذلك أن وزراء القوات والكتائب لن يطرحوا الموضوع من خارج جدول الأعمال. وفُهم أن القوات وجّهت تهديدات إلى رئيس الحكومة نواف سلام بمغادرة الجلسة إذا لم يُطرح الموضوع للنقاش. أما بالنسبة إلى الجلسة المقبلة في قصر بعبدا، فلا مؤشرات أيضاً إلى التوجّه نحو بحث البند، رغم إصرار وزيرَي الكتائب. والأوضح حالياً أن الخيار سيكون تسريع إنهاء التحقيقات، ثم توجيه الادعاءات عبر القضاء العسكري، وإنجاز المهمة قبل حلول موعد الجلسة، وبالتالي يكون الجميع قد خرج من الإحراج! ولا يبدو ذلك منفصلاً عن مسار تسووي داخلي لا يشمل جميع الملفات المختلف عليها مع حزب الله، بل يرتبط مرحلياً بهذا الملف تحديداً، ويفتح الباب أمام ملف آخر يتصل بإعادة تزييت قنوات التواصل بين بعبدا والضاحية. وليس سرّاً أن نتيجة جلسة قصر بعبدا الأخيرة، التي أخرجت فكرة الإحالة إلى المجلس العدلي من التداول بعد أن أُشبعت نقاشاً، أرخت بظلالها على الأجواء المحيطة بالعلاقة بين الحزب وقصر بعبدا. وأوحت النقاشات والاتصالات والبيانات، ولا سيما بيان كتلة الوفاء للمقاومة، بأننا أمام مسار لتسوية الخلافات والعودة إلى اعتماد لغة الحوار. وقد استدعت أجواء ما قبل الجلسة ومخاطرها ذلك. وتفيد معلومات “ليبانون ديبايت” بأن تواصلاً غير مباشر حصل بين بعبدا والضاحية، سبق الجلسة الأخيرة وأعقبها، وأسهم في إخراج الملف من التداول من خلال أفكار سوّقها رئيس مجلس النواب نبيه بري. وخلال فترة التسخين التي سبقت الجلسة، وما رافقها من بيانات وخطابات ومواقف، كانت تُعقد اجتماعات في مقار أمنية وأخرى سياسية، بمشاركة وسطاء تحرّكوا بين الجانبين ونقلوا الرسائل. وفي أحد الاجتماعات، مثّلت الحزبَ شخصياتٌ نيابية وأخرى مسؤولة ووازنة. وبدا أن ثمة تفهّماً لدى الجميع لخطورة المرحلة. وب