كأس نبيذ، كستناء، بطاطا مشويّة، وجلسة أمام الـcheminée... هكذا تكتمل أجواء الشّتاء. ومع اقتراب موسمه، تبدأ العائلات بالتحضير للتدفئة. ولكن، في ظلّ تحليق أسعار المحروقات، تلجأ بعض العائلات إلى التدفئة عبر الحطب. فماذا عن أسعارها؟ وهل يدفع الغلاء العائلات إلى قطع الأشجار بشكل غير شرعي كلّ لتأمين الدفء؟ وعلامَ ينصّ القانون؟ يؤكّد الصحافي البيئي مصطفى رعد، في حديث خاصّ إلى موقع MTV، أنّ "قطع الأشجار غير الشرعي لم يعُد حاجة فرديّة، بل تحول إلى استنزاف ممنهج للثروة الحرجية بلغ مستويات غير مسبوقة، في ظلّ غياب الرقابة من البلديات وشحّ الموارد اللوجستية لدى مراكز الأحراج والقوى الأمنية، خصوصًا مع ارتفاع سعر برميل المازوت 30 إلى 40%". ويشرح رعد أنّ المناطق الأكثر تضررًا هي عكار والضنية في شمال لبنان، وغابات السنديان والشوح واللزاب في جرود القبيات التي تتعرض لمجازر ليلية تُنقل إلى المناشر. كذلك تتضرر جرود كسروان وجبيل، حيث هناك استنزاف كامل لأحراج السنديان لأنه الأكثر طلبًا لكفاءته العالية في الاحتراق وطول مدة اشتعاله، على عكس أشجار الكينا والتفاح. وفي الجنوب، وتحديدًا في إقليم التفاح وجزين، تُسجل تعديات كثيرة، حيث نشهد خلال شهري تشرين الأول والثاني افتعال حرائق لتبرير قطع ما تبقى من الأشجار المحيطة بها. أما بقاعًا، فالضرر يطال البقاع الغربي وراشيا على السلسلة الشرقية وبعض المناطق القريبة من جبل الشيخ. ويشدّد رعد على وجود سوق سوداء تنشط عبر فيسبوك وإنستغرام، فالسنديان تحديدًا هو الأكثر طلبًا ويصل سعر الطن منه إلى نحو 350 دولارًا، بعدما كان متدنيًا جدًا قبل عام 2019، بينما يبلغ سعر طن المازوت نحو 1500 إلى 1600 دولار، لذلك يلجأ الناس إلى الحطب، مشيرًا إلى استغلال التجّار للظرف الزمني للمطالبة بأسعار أعلى، حيث تصل أرباحهم إلى 200-250%. ويوضح أنّ الحرائق التي نشهدها خلال هذه الفترة تكون مفتعلة وغير طبيعيّة أبدًا، وغايتها في البداية تنظيف آثار القطع ثمّ تمتدّ وتتوسّع، قائلًا: رغم التحذيرات إلّا أنّ المافيات تستغل الظروف. يشير رعد الى وجود قانون الغابات الصادر عام 1949 والمعدل لاحقًا، والقانون رقم 558/1996، إضافة إلى القرارات التنظيمية السنوية عن وزارة الزراعة، مثل القرار 795/1 الذي يحظر قطع أنواع محددة كالأشجار النادرة كالأرز والشوح والصنوبر والتوت إلا بقرارات استثنائية مشددة. وتنص المادة 44 على الحبس من 10 أيام حتى 6 أشهر، وتصل العقوبة إلى 20 ضعفًا إذا وقع القطع على أشجار نادرة كالأرز واللزاب، مضيفًا: القانون لا يزال قديمًا، يعود إلى ما بعد الانسحاب الفرنسي، فعقوبة قطع غابة بأكملها هي 500 ألف ليرة لبنانية فقط. وفي المقابل، يقول إنّ وزارة الزراعة تنصّ على مصادرة الأخشاب والأدوات والآليات المستخدمة، لكن الثغرة تفاقمت بعد انهيار سعر الصرف وارتفاع أسعار البنزين، ما حدّ من قدرة القوى الأمنية على الملاحقة الدائمة، في ظل مراقبي أحراج يراقبون الشواطئ في الوقت نفسه. يقول رعد إنه للأسف، يتأقلم اللبناني مع الوضع بدلًا من أن يجد حلًّا. ومن الحلول المتاحة الـbiomass pellets المكونة من جفت الزيتون، وهي تعطي طاقة حرارية عالية وبكلفة أقل بـ40-50% عن الحطب التقليدي، وصديقة للبيئة، إذ يبلغ سعر الطن 30-35 دولارًا مقابل طن المازوت 1500-1600 دولار، وتتغير أسعاره أسبوعيًا حسب الأسعار العالمية. ويبقى الحلّ الأساسي في تشديد المراقبة من الوزارة والبلديات والقوى الأمنية قبل أن يفقد لبنان ما تبقى من أخضره.