للمرّة الأولى منذ استحداث وسام الثقافة الياباني عام 1937، اختارت الحكومة اليابانية شخصية من صناعة ألعاب الفيديو لنيل أحد أرفع تكريماتها الثقافية. صاحب هذا الإنجاز هو شيغيرو مياموتو (Shigeru Miyamoto)، مبتكر "سوبر ماريو" وأحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل عالم الألعاب الإلكترونية على مدى نحو خمسة عقود. وأعلنت الحكومة اليابانية، في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، اختيار مياموتو (73 عاماً) ضمن ثماني شخصيات ستُمنح وسام الثقافة لهذا العام، على أن يتسلّمه رسمياً من الإمبراطور ناروهيتو في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، خلال احتفال في القصر الإمبراطوري في طوكيو، تزامناً مع يوم الثقافة في اليابان. يُمنح الوسام للشخصيات التي قدّمت إسهامات بارزة في تطوير الثقافة اليابانية، في مجالات تشمل الفنون والآداب والعلوم والتكنولوجيا. ويحمل اختيار مياموتو دلالة تتجاوز تكريم مسيرته الشخصية، إذ يمنح صناعة ألعاب الفيديو اعترافاً رسمياً بمكانتها في المشهد الثقافي الياباني. شيغيرو مياموتو، مبتكر سوبر ماريو، يتوسّط شخصيتَي ماريو ولويجي خلال مشاركته في تكريم بمدينة خيخون الإسبانية عام 2012. (Miguel Riopa/AFP) بدأ مياموتو رحلته مع شركة "نينتندو" (Nintendo) عام 1977، بعد دراسته التصميم الصناعي، في مرحلة كانت فيها ألعاب الفيديو لا تزال صناعة ناشئة، تبحث عن أشكالها وأساليبها الخاصة. وجاءت إحدى محطاته الحاسمة عام 1981، حين صمّم لعبة "دونكي كونغ" (Donkey Kong)، التي حقّقت نجاحاً تجارياً واسعاً، وقدّمت إلى العالم شخصية ستصبح لاحقاً واحدة من أشهر رموز الثقافة الشعبية. ولم يتوقّف إبداعه عند هذا الإنجاز. فقد ارتبط اسمه أيضاً بسلسلة "ذا ليجند أوف زيلدا" (The Legend of Zelda)، التي انطلقت عام 1986، وبألعاب "بيكمين" (Pikmin)، إلى جانب مساهماته في تطوير تجارب لعب أثّرت في أجيال من المصمّمين واللاعبين. وكان مياموتو قد حصل عام 2019 على لقب "شخصية الاستحقاق الثقافي" في اليابان، ليصبح آنذاك أول شخصية من صناعة ألعاب الفيديو تنال هذا التقدير، قبل أن يضيف اليوم إلى مسيرته تكريماً أعلى. وفي مؤتمر صحافي أعقب الإعلان عن اختياره وسام الثقافة، أعرب عن اعتزازه بالتكريم، مشدّداً على أن الألعاب التي ارتبطت باسمه كانت ثمرة عمل جماعي شارك فيه العديد من المبدعين والمطوّرين. وتحدّث أيضاً عن التحوّل الذي شهدته ألعاب الفيديو خلال مسيرته، من نشاط لم يكن مألوفاً لدى كثيرين من أبناء جيله، إلى تجربة تجمع اليوم الآباء والأبناء والأجداد. شيغيرو مياموتو (وسط الصورة)، إلى جانب مصمّم الألعاب تاكاشي تيزوكا (يميناً) والمؤلّف الموسيقي كوجي كوندو (يساراً)، خلال احتفال بالذكرى الثلاثين لـ حين تدخل ألعاب الفيديو المشهد الثقافي يأتي تكريم مياموتو في وقت تجاوزت فيه ألعاب الفيديو حدود الترفيه التقليدي، لتصبح صناعة تجمع السرد القصصي والموسيقى والتصميم والفنون البصرية والتكنولوجيا. فالشخصيات التي ابتكرها لم تبقَ حبيسة شاشات الألعاب، وإنما انتقلت إلى السينما والمتنزّهات الترفيهية، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية لأجيال نشأت على مغامراتها. يكتسب هذا الاعتراف الرسمي أهمية خاصة في تاريخ الألعاب الإلكترونية، بعد عقود من التعامل معها بوصفها نشاطاً ترفيهياً موجّهاً أساساً إلى الأطفال والشباب. فالألعاب التي ساهم مياموتو في ابتكارها أصبحت اليوم أعمالاً يتوارثها اللاعبون، وتستعيدها أجيال جديدة على أجهزة مختلفة، فيما تحوّلت شخصياتها وموسيقاها إلى مراجع مألوفة في الثقافة الشعبية. شيغيرو مياموتو إلى جانب شخصية قبل أن يصبح "سوبر ماريو" أحد أشهر أبطال ألعاب الفيديو في العالم، ظهر عام 1981 بشخصية بسيطة تحمل اسم "جامبمان" (Jumpman)، في لعبة "دونكي كونغ". وبعد أربع سنوات، وتحديداً في 13 أيلول/سبتمبر 1985، أطلقت "نينتندو" لعبة "سوبر ماريو براذرز"، التي أدخلت اللاعبين إلى مملكة الفطر، حيث ينطلق السباك ذو القبعة الحمراء لإنقاذ الأميرة من الشرير باوزر. ومنذ ذلك الحين، رافقت شخصية ماريو أجيالاً من اللاعبين. أصبحت موسيقاها الشهيرة، التي ألّفها كوجي كوندو، مألوفة حتى لدى من لم يمسكوا يوماً بجهاز ألعاب، فيما تحوّلت الفِطر والعملات الذهبية والأنابيب الخضراء إلى رموز يعرفها الملايين. ومع تطوّر التكنولوجيا، انتقل ماريو من عالم الألعاب ثنائية الأبعاد إلى المغامرات ثلاثية الأبعاد مع "سوبر ماريو 64" عام 1996، ثم إلى عوالم أكثر اتساعاً، وصولاً إلى المتنزّهات الترفيهية والسينما. وفي عام 2023، حقّق فيلم الرسوم المتحركة "The Super Mario Bros. Movie" إيرادات عالمية تجاوزت 1.3 مليار دولار، قبل أن يعود ماريو إلى الشاشة الكبيرة في نيسان/أبريل 2026 بالجزء الثاني المنتظر لفيلم سوبر ماريو (The Super Mario Bros. Movie Sequel) والذي أ