بينما تسعى الصين إلى تقليص الانبعاثات عبر السيارات الكهربائية والتوسع في شبكات الطاقة، تكشف دراسة حديثة مفارقة مناخية: غاز صناعي شديد القدرة على حبس الحرارة يتزايد في أجواء بكين، مدفوعاً بالطلب على الكهرباء وصناعة أشباه الموصلات. إنه سداسي فلوريد الكبريت (SF6)، الذي قد يحوّل جزءاً من مكاسب التحول الطاقوي إلى عبء طويل الأمد على المناخ. ونقل موقع "إنسايد كلايمت نيوز" عن بحث نشرته دورية "إنفايرونمنتال ساينس أند تكنولوجي" أن مستويات هذا الغاز واصلت الارتفاع، في وقت تباطأت فيه الزيادة في غازات دفيئة أخرى. وبحسب الدراسة، يتطلب التقدم البيئي قياس ما يحدث داخل الصناعات الجديدة، لا الاكتفاء بتراجع حرق الفحم. وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها تكشف تكلفة غير مباشرة للتوسع التكنولوجي: فالمعدات التي تساعد على توزيع الكهرباء منخفضة الكربون، والمصانع التي تنتج رقائق الاقتصاد الرقمي، قد تطلق ملوثاً مناخياً استثنائياً إذا غابت الضوابط. يستخدم سداسي فلوريد الكبريت لعزل المعدات الكهربائية ذات الجهد العالي ومنع الشرارات، كما يدخل في عمليات حفر الدوائر الدقيقة وتنظيف غرف تصنيع الرقائق والشاشات. وهو غاز اصطناعي لا يُرى ولا تُشم له رائحة، لكنه يمتلك قدرة على إحداث الاحترار العالمي تفوق ثاني أكسيد الكربون بنحو 24,300 مرة، عند مقارنة الكمية نفسها خلال مئة عام. ويظل الغاز في الغلاف الجوي زمناً بالغ الطول، يُقدّر بقرون إلى آلاف السنين. ولهذا، فإن تسرب كميات صغيرة منه يترك أثراً مناخياً يفوق ما يوحي به وزنها المحدود. حلّل باحثون في الأكاديمية الصينية للعلوم تركيزات أربعة غازات دفيئة بين عامي 1993 و2024، مستعينين بقياسات جوية شملت طبقات مختلفة فوق بكين. واعتمد الفريق أيضاً على قياسات رأسية بين ارتفاعي ثمانية أمتار و240 متراً، باستخدام برج أرصاد يبلغ ارتفاعه 325 متراً. وساعدت المقارنة بين المستويات الأرضية والعليا على رصد التحولات المرتبطة بالأنشطة المحلية. وأظهرت النتائج تباطؤ معدل زيادة ثاني أكسيد الكربون بعد سياسات الحد من الفحم والتوسع في الغاز والكهرباء، إضافة إلى تباطؤ نمو الميثان وأكسيد النيتروز. في المقابل، ارتفع تركيز سداسي فلوريد الكبريت بصورة مستمرة منذ 2008، وبلغ متوسط نموه خلال الفترة 2017–2024 نحو 0.52 جزء من التريليون سنوياً. وترتبط هذه الظاهرة بتوسع البنية الكهربائية ومصانع أشباه الموصلات؛ وهي قطاعات قد يزيد الذكاء الاصطناعي الطلب على إنتاجها وخدماتها. على المستوى الوطني، يأتي نحو 70% من انبعاثات الغاز من قطاع الكهرباء، وفق الدراسة، بينما أصبحت صناعة الرقائق المصدر المحلي الأبرز في بكين. لكن الباحث مارتن فويتا، من جامعة فيينا، يحذر من اعتبار التزامن دليلاً نهائياً على السبب؛ فاختلاف تقنيات التصنيع قد يؤثر أيضاً، وتحتاج نسبة الانبعاثات إلى مصادرها إلى نماذج جوية أدق. سداسي فلوريد الكبريت (SF6) قد يحوّل جزءاً من مكاسب التحول الطاقوي إلى عبء طويل الأمد على المناخ وأظهرت دراسة سابقة في "نيتشر كوميونيكيشنز" تضاعف انبعاثات الصين تقريباً من 2,600 طن عام 2011 إلى 5,100 طن عام 2021، بما يعادل نحو 125 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. وشكّلت الصين آنذاك 57% من الانبعاثات العالمية لهذا الغاز. قدّر تحقيق سابق لـ"إنسايد كلايمت نيوز" أن شركات الكهرباء الحكومية الصينية تعيد تدوير نحو 30% فقط من الغاز المستغنى عنه. وخلص إلى أن رفع النسبة إلى قرابة 90% قد يمنع إطلاق نحو 1,400 طن سنوياً، بتكلفة تقديرية تبلغ ستة ملايين دولار. وتشمل الحلول أيضاً فحص التسربات وصيانة المعدات، واستخدام بدائل للعزل الكهربائي، وتحسين عمليات تصنيع الرقائق وتدمير الغازات المتبقية قبل خروجها من المصانع. وقد تحولت نتائج الدراسة بالفعل إلى توصيات وصلت إلى هيئة استشارية في بكين. وترى أفيبسا ماهاباترا، من وكالة التحقيقات البيئية الأميركية، أن الإجراءات الحالية لم تنجح بعد في تغيير اتجاه انبعاثات الغاز، ما يكشف ثغرة في سياسات إزالة الكربون. وهذه فجوة قد تتسع مع طفرة الذكاء الاصطناعي. الرسالة البيئية تتجاوز الصين: لا يكفي أن تصبح الكهرباء أنظف إذا سمح إنتاجها ونقلها والتقنيات المستفيدة منها بتسرب غازات فائقة الاحترار. نجاح الانتقال المناخي يتطلب مراقبة الانبعاثات غير المرئية بصرامة تماثل مراقبة المداخن وعوادم السيارات.