"ومهما تكنْ عندَ امرئٍ من خليقةٍ وإنْ خالَها تَخفى على الناسِ تُعلَمِ" (زهير بن أبي سُلمى) في السياسة أيضاً، تأتي لحظة تعجز فيها العبارات عن ستر الخيارات. والدعوة إلى مؤتمر وطني يبحث كيفية تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة تستطيع أن تجعل هذه اللحظة استحقاقاً لبنانياً ينتقل فيه الجميع من عموميات الحوار والسيادة إلى مسؤولية البوح والاختيار. لماذا لا يدعو رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى مؤتمر وطني، بجدول أعمال واضح ومهلة محددة، يبحث كيفية تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة؟ سؤال تفرضه المسافة المتسعة بين إعلان حصرية السلاح واستمرار قدرة تنظيم حزبي على الاحتفاظ بقرار عسكري مستقل. فقد استُهلكت عبارات الحوار والاستراتيجية الدفاعية والتوافق، فيما بقي السؤال الجوهري معلقاً في من يملك القرار الأخير حين تتعارض إرادة الدولة مع إرادة الحزب؟ من هنا يحتاج لبنان إلى إخراج هذه القضية من الاتصالات المغلقة، ووضعها أمام اللبنانيين، وبالأخص ما يسمى ببيئة حزب الله، باعتبارها مسألة تتعلق بحقهم في تقرير مصيرهم، وبمسؤولية القوى السياسية عن استمرار مصادر الخطر على حياتهم ومستقبل أبنائهم. وتقتضي الدقة الإقرار بأن الرئيس سبق أن طرح الحوار، وأوضح أن مبدأ حصرية السلاح محسوم، وأن البحث يتناول كيفية تطبيقه. كذلك اتخذ مجلس الوزراء، في الثاني من آذار 2026، قراراً بحظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله وإلزامه بتسليم سلاحه. لذلك تكون وظيفة المؤتمر المقترح نقل القرار إلى مسار وطني معلن للتنفيذ، يحدد المراحل والمسؤوليات والعقبات. فالدولة أعلنت موقفها، لكن إعلان الموقف يفقد معناه حين يعجز المواطن عن معرفة من يعطل تطبيقه، وبأي حجة، وإلى متى يستطيع الاستمرار في ذلك. يمكن فهم التردد الرئاسي من زاوية الخشية على السلم الأهلي، والحرص على الجيش، وتجنب مواجهة تنتهي بإظهار عجز الدولة. وهذه اعتبارات جدية، وإن بقي تفسيرها تقديراً سياسياً لا يستند إلى معرفة بنوايا الرئيس. لكن الحذر حين يفقد أفقه الزمني يتحول إلى إدارة دائمة للاستثناء، ومن ثم غياب الحلول المجدية واستمرار الأزمة وتفاقمها. عندها يصبح الطرف المسلح قادراً على تحديد موعد النقاش وشروطه، فيما تتحمل المؤسسات مسؤولية نتائج قرارات لم تتخذها. ومع مرور الوقت، يُطلب من اللبنانيين التكيف مع ازدواج السلطة، كأن تفادي الانفجار يقتضي قبول أسبابه إلى أجل غير مسمى. سيعترض البعض بالتذكير بفشل طاولات الحوار السابقة، وسيطالبون بالعودة إلى المؤسسات الدستورية، وفي مقدمها مجلس النواب. اعتراض وجيه من حيث المبدأ، لكنه يواجه سؤالاً عملياً: أين المبادرة البرلمانية التي حولت قضية السلاح إلى مسار متكامل، يبدأ بجلسة مخصصة وينتهي بقرار واضح ومتابعة للمحاسبة والتنفيذ؟ لقد حضرت القضية في الخطابات والسجالات، لكن القوى المعارضة للحزب لم تنجح في جعلها استحقاقاً برلمانياً حاسماً. ومن يحتج بوجود المؤسسات مطالب بإظهار كيفية استخدامها، حتى لا تتحول الدعوة إلى احترامها إلى صيغة أخرى لتأجيل المواجهة السياسية المطلوبة. فالمعارضة لسلاح الحزب تتحمل نصيبها من المسؤولية حين تكتفي بالمطالبة بسيادة الدولة، ثم تترك وسائل تحقيقها مبهمة. ومن حق اللبنانيين أن يسألوا ممثليهم عن المبادرات التي قدموها، والعقبات التي واجهوها، والأسماء التي منعت التقدم. وإذا كانت التوازنات داخل مجلس النواب تحول دون معالجة جدية، فهذه حجة لتوسيع الضغط السياسي، عبر مبادرة رئاسية جامعة، تدفع المؤسسات إلى أداء دورها. أما التذرع بفشل الحوار وبعجز البرلمان معاً، فيقود عملياً إلى إبقاء الأمر الواقع، مع توزيع المسؤولية بين الجميع حتى يتعذر تحديد مسؤولية أحد. وتكتسب الدعوة الرئاسية أهميتها لأنها تضع نبيه بري ووليد جنبلاط أمام مقتضيات اللغة السياسية التي يحتكمان إليها، لا بل قد يشكل ذلك مخرجاً لهما. فبري، من موقعه رئيساً لمجلس النواب وشريكاً أساسياً في صناعة التسويات، سيجد صعوبة سياسية في تبرير رفض دعوة جامعة تبحث تنفيذ سيادة الدولة وتتيح عرض المخاوف والضمانات. وجنبلاط، الذي يمنح التسوية والسلم الأهلي أولوية في مقاربته، سيواجه بدوره صعوبة في رفض مسار سلمي منظم لمعالجة انقسام وطني دائم. يستطيع كلاهما الاعتراض على التوقيت والآلية، لكن ذلك يلزمهما بتقديم بديل عملي ومحدد، ويجعل الاكتفاء بالدعوة إلى التريث أقل إقناعاً. بهذا المعنى، تتجاوز وظيفة المؤتمر إحراج حزب الله وحده، لتكشف شبكة المواقف والتسويات التي تسمح باستمرار الوضع القائم. فإذا حضر بري وجنبلاط وسائر القوى، تعين عليهم تحديد موقفهم من خطة تسليم السلاح. وإذا امتنعوا، صار عليهم شرح سبب رفض البحث في وسيلة سلمية لتنفيذ قرارات الدولة. ويشمل الامتحان خصوم الحزب أيضاً، إذ يصبحون مطالبين بتقديم تصور قابل للتطبيق، يتناول حماية المواطنين وتقوية الجيش وإدا