وهكذا، طُويت صفحة أحد أبرز حدثين سياسيين هذا الخريف. فقد سجّلت إسرائيل أمس إقبالاً قياسياً على الانتخابات البرلمانية، لكن نتائجها كشفت حقيقة كانت واضحة من دون انتخابات: مجتمعٌ منقسم إلى معسكرين. بحلول ظهر الأربعاء (زمن كتابة هذه المقالة)، جرى فرز 66 في المئة من الأصوات. وحصل معسكر نتنياهو على 54 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة، و18 مقعداً للأحزاب العربية. لكن هذه ليست النتائج النهائية، إذ لا يزال فرز الأصوات مستمراً في تل أبيب، وكذلك فرز أصوات العسكريين الواردة في مغلفات الاقتراع. قد تطرأ بعض التغييرات على الأرقام، لكنها لن تبدّل المشهد بصورة جوهرية على الأرجح. وحتى الآن، لم يتمكن لا الائتلاف الحاكم ولا المعارضة من الحصول على 61 مقعداً، وهو الحد الأدنى اللازم لتشكيل الحكومة. لذلك، تجد المعارضة نفسها الآن أمام خيار واضح: إما أن تقترح فوراً التحالف مع الأحزاب العربية، متجاوزةً بذلك "عتبة الأغلبية" المطلوبة، وهي 61 مقعداً، أو أن تواصل التمسك بـِ "الكبرياء والحذر" تجاه المواطنين العرب في إسرائيل. الخيار بسيط جداً. لا شك في أن نتنياهو نفسه كان سيتحالف مع أيّ طرف، لو كان ذلك يضمن له البقاء السياسي والفوز. زعيم القائمة العربية الموحدة منصور عباس، وفي مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية يوم الانتخابات، قال: "اتصل بي ممثل رفيع المستوى عن معسكر اليمين قبل بضعة أيام، للحديث عن التعاون". لكن نتنياهو يقول علناً أموراً مناقضة تماماً، إذ يعلن أنه لا يجوز التحالف مع الأحزاب العربية بعد 7 أكتوبر، معتبراً ذلك خيانة للوطن. وبذلك، يحاول نتنياهو قطع الطريق على احتمال تحالف المعارضة والأقلية العربية، اللذين سيشكلان معاً أغلبية على الفور، ويتركان حزب الليكود خارج المعادلة. حتى الآن، لم يُظهر حنكة سياسية حقيقية سوى أحد قادة المعارضة، يائير غولان، الجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي وزعيم حزب "الديمقراطيون" المنتمي إلى يسار الوسط. فهو يدعو إلى التحالف مع الأحزاب العربية: "ستكون لدينا أغلبية من 65 مقعداً. يجب أن نتوقف عن الخوف!". فهل سيصغي إليه قادة المعارضة الآخرين؟ وممَّ يخافون؟ من أن قادة الأحزاب العربية، على سبيل المثال، لا يعتبرون حماس منظمة إرهابية. منصور عباس نفسه، من "القائمة العربية الموحدة"، يرفض وصف حماس بأنها منظمة إرهابية. أما غادي آيزنكوت، فقد جعل الاعتراف بحماس منظمة إرهابية شرطًا للانضمام إلى ائتلافه، علماً أن ابنه قُتل في الحرب بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر. يبدو الأمر شديد الانتهازية، إذ كيف يمكن التحالف مع من لا يعتبرون حماس عدوًا؟ فما العمل إذاً؟ هل تسمح لنفسك بالانتهازية وتتجاوز الحاجز الأخلاقي من أجل إسقاط نتنياهو القوي، وهو ما أعلنت تحديدًا أنه هدف دخولك المعترك السياسي ومشاركتك في هذه الحملة الانتخابية؟ أم ترضخ لنتنياهو، وتنضم إلى ائتلافه، أم تخرج من المعركة خالي الوفاض؟ نتنياهو يهلل فرحاً عند هذه النقطة. أذكّر بأن آيزنكوت نفسه ليس أشكنازيًا، وهو أمر نادر في أوساط النخبة السياسية الإسرائيلية. هو يهودي مغربي. قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، كان يعيش في المغرب ما بين 250 و300 ألف يهودي، فيما رفعت بعض التقديرات العدد إلى 500–600 ألف، ما جعل هذه الجماعة الأكبر في العالم العربي. لذلك، عليه الآن، بصفته سياسيًا، أن يفعل كل ما بوسعه لإنشاء تحالف مع الأحزاب العربية. هذا ما يفترضه المنطق السياسي البارد. وبدورها، يفترض بهذه الأحزاب أن تدعمه. لذلك، نظريًا، يمكنه غدًا أن يشكّل حكومة، تاركًا نتنياهو خارجها. لكن هل هو قادر على اتخاذ خطوة كهذه، تُعدّ نفاقًا من الناحية الأخلاقية؟ نصل هنا إلى النقطة الأساسية: ما الذي يجعل المرء سياسيًا حقيقيًا؟ إنه من يتمتع بالذكاء والدهاء والحسّ السياسي الغريزي. وظيفة نتنياهو هي أن يكون سياسيًا في الواجهة. فمنذ أن بدأ مسيرته سفيرًا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة عام 1984، وهو يتربع على القمة منذ أكثر من أربعين عامًا، وفي سن السابعة والسبعين ليس مستعدًا حتى للتفكير في التنحي. أما آيزنكوت نفسه، فليس سياسيًا جماهيريًا بالمعنى التقليدي. إنه جنرال في الجيش، جرى الترويج له سياسيًا خصيصًا لخوض هذه الانتخابات، بوصفه بديلًا لنتنياهو. لذلك، فإن اللحظة الراهنة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان مجرد شخصية صنعه الإعلام، أم مجرد موظف، أم قائدًا حقيقيًا لمرحلة انتقالية، كما قدّم نفسه. في نهاية المطاف، اضطر نتنياهو، لتشكيل حكومته السابقة، إلى التعاون مع الأحزاب الحريدية المتشددة، وعيّن إيتمار بن غفير وزيرًا للأمن القومي، ليصبح عمليًا واجهة الحكومة. وبن غفير هو راديكالي ذو نزعة فاشية، دفع باتجاه إقرار عقوبة الإعدام للفلسطينيين والعرب الإسرائيليين، واقترح إحاطة سجن مخصّص للعرب بخندق مليء بالتماسيح، كما اقتحم المسجد ال