إن كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد استبق زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق بفيض من المعطيات المقرونة برؤية بالغة التفاؤل لملامح الأفق المشترك لعلاقة البلدين الاستراتيجية على مختلف المسارات، فإن الفرص القائمة على "حامل الجغرافيا" تسبق كافة القراءات، بل وتفرض نفسها بسلاسة وسيرورة ديناميكية عندما تتوفر الإرادة السياسية، الإرادة ذاتها التي طالما أغلقت الأفق وسدّت بوابات النفاذ في زمن صراع جناحي البعث في البلدين. اليوم، علي الزيدي في دمشق لا ليؤسس لعلاقة جديدة، بل ليرسي قيماً مضافة على إحداثيات ارتسمت على مدار العام 2026، مدفوعة بقناعات المصلحة المشتركة، وإن تعززت بعد اندلاع أزمة الممرات مع بدء الحرب الإسرائيلية - الأميركية - الإيرانية، فسوريا غدت بوابة الخلاص لبلد نفطي بامتياز يقوم اقتصاده على رهان الممرات واستدامة تدفق الصادرات. فأي أفق جديد سيُصار إلى مأسسته في العلاقات السورية - العراقية من اليوم فصاعداً بعد الحدث السوري - العراقي في دمشق؟ الواقع أن ثمة قناعات عراقية وراء ما يشبه "الجماح الاستراتيجي"، إن صح التعبير، لالتقاط الفرصة السورية، تجلى في سلسلة قرارات تبناها مجلس الوزراء العراقي خلال الأشهر الماضية، تقضي باعتماد المرافئ السورية منصاتٍ لتصدير النفط العراقي، إما عبر الصهاريج كخيار إسعافي، أو عبر إعادة إحياء خط كركوك - بانياس التاريخي. فسوريا بوابة العراق إلى المتوسط، ويمكن أن تتحول إلى امتداد لوجستي لتجارته مع أوروبا وشمال أفريقيا والأمريكيتين، وفقاً للدكتور المهندس البحري سلمان ريا، الذي يرى أن تحقيق هذه الإمكانية يتطلب ربط المرافئ البحرية بالمرافئ الجافة والسكك الحديدية وممرات الطاقة، والاستفادة من دروس التجارب السابقة. والعلاقات الاقتصادية السورية - العراقية تكتب، وفقاً للدكتور ريا في حديثه لـ"المدن"، أهمية تتجاوز التبادل التجاري التقليدي، لأنها تتصل بموقع البلدين في شبكة التجارة والطاقة والنقل في الشرق الأوسط وشرق المتوسط. فالعراق يمتلك موارد طاقة وقاعدة إنتاجية وسوقاً واسعة، فيما تمتلك سوريا منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط، ومرافئ تجارية، وموقعاً يربط بلاد الرافدين بالساحل الشرقي للمتوسط والأسواق المتصلة به. ويعوّل الخبير الاقتصادي البحري على المرافئ كمرفق استراتيجي للنهوض بأفق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ويرى أن المقاربة الاستراتيجية تقتضي إعادة تعريف وظيفة المرافئ السورية؛ فميناء طرطوس وميناء اللاذقية لا ينبغي أن يُنظر إليهما بوصفهما نقطتي وصول ومغادرة للسفن فقط، وإنما بوصفهما مركزين في شبكة لوجستية تمتد إلى الداخل السوري والحدود العراقية والأسواق الإقليمية. لكنه يلفت إلى أهمية إنشاء شبكة من المرافئ الجافة ومراكز التجميع والتوزيع، مرتبطة بالمرافئ البحرية عبر السكك الحديدية والطرق السريعة. وتتولى هذه المراكز تخزين البضائع وفرزها وتجميعها وتوزيعها، وإنجاز جانب من الإجراءات الجمركية والخدمات اللوجستية، قبل نقل الشحنات إلى وجهاتها النهائية. ويتيح هذا النموذج نقل جزء من وظائف التخزين والتوزيع إلى الداخل، وتسريع إخلاء الأرصفة والساحات البحرية، وتقليص زمن بقاء السفن والبضائع، ورفع معدل دوران الأرصفة. وبذلك يمكن زيادة الطاقة الإنتاجية الفعلية للمرافئ، أي حجم البضائع التي تستطيع مناولتها خلال فترة زمنية محددة، من دون الاعتماد على التوسعة البحرية وحدها. وتتيح هذه المراكز فرصاً استثمارية في المستودعات ومناولة الحاويات والتبريد والتخليص الجمركي والصيانة والتوزيع. وهكذا تتحول حركة الترانزيت من مجرد عبور للبضائع إلى نشاط اقتصادي فاعل. يتصدر خط كركوك - بانياس الأنباء والتحليلات المتعلقة بمسارات التعاون السوري - العراقي، ربما لأنه ملمح باقٍ في سفر علاقة البلدين وشاهد على ما فعلته السياسة في الاقتصاد. فتاريخ الخط مثال واضح على الإمكانات الاقتصادية للتكامل السوري - العراقي، وعلى المخاطر التي تهدد استمراره عندما يخضع لتقلبات العلاقات السياسية. من وجهة نظر الخبير ريا، الذي يشير إلى أن الخط دخل الخدمة عام 1952، لكنه لم يعمل بصورة متصلة طوال تاريخه، فقد شهد انقطاعات بسبب الخلافات السياسية والمالية، وتوقف عام 1982 في سياق القطيعة السورية - العراقية والحرب العراقية - الإيرانية. ثم استُخدم مجدداً لفترة قصيرة نحو عامي 2000 و2001، قبل أن يتعرض لأضرار جسيمة خلال حرب العراق عام 2003، ويخرج من الخدمة منذ ذلك الحين. وتكشف هذه المراحل أن أهمية الخط الاقتصادية لم تكن موضع شك من حيث المبدأ، لكن استمراره تأثر بالخلافات على رسوم العبور وبالقرارات السياسية والأوضاع الأمنية. وهذا التمييز ضروري عند تقييم فرص إحيائه اليوم. إلا أن مشروع كركوك - بانياس عاد إلى واجهة التعاون السوري - العراقي خلال عام 2026، مع الإعلان عن تفاهم