إنّ الخلاف الذي ينشأ في كلّ مرّة جرّاء صدور قرارٍ عن المجلس الدستوري يتعلّق بشكل مباشر بصلاحيّة المجلس في تفسير القوانين. فالسلطة التشريعية ترى أنّ المجلس الدستوري يتخطّى صلاحياته وينصّب نفسه مشرّعاً جديداً، بينما تتجلّى الإشكالية المستجدة في اعتراض السلطة القضائية أحياناً على قرارات المجلس، كونه بات يُلزم القضاء باعتماد تفسير معيّن لبعض النصوص القانونية. إنّ عمق الخلاف بين المجلس الدستوري والسلطتين التشريعية والقضائية ذو أبعاد سياسية أكثر منها قانونية، وهو يثير تساؤلات جوهرية: من يصنع القانون؟ وهل يتخطّى المجلس الدستوري حدود صلاحياته في تفسير الدستور؟ وهل يمنح القانون صلاحيات للسلطة القضائية للاعتراض على قرارات المجلس الدستوري أو تفسيرها؟ أولاً: "الصناعة السياسيّة" للقانون يُعتبر أعضاء مجلس النواب السلطة التشريعية الأساسية المخولة اقتراح وإقرار القوانين وتعديلها. ويقوم هذا النشاط التشريعي على دوافع أبرزها الدافع السياسي؛ ففي مختلف الأنظمة الديمقراطية يمثل النواب أحزاباً سياسية، وغالباً ما يُنتخبون لا على أساس إلمامهم التقني بالعمل التشريعي، بل بناءً على خطابهم السياسي وحجم شعبيتهم التي ترتكز في بلد كلبنان على معيار الخدمات. وبالتالي، فإنّ النواب اللبنانيين، كغيرهم في أغلب الدول، ليسوا كناية عن مجموعة مشرّعين أو خبراء قانون، فليسوا كأعضاء لجنة القانون الدولي في الأمم المتّحدة. لذلك، تمّ استحداث القضاء الدستوري لينظر في مدى مطابقة القوانين للدستور، وكخطة تصويبيّة لانحراف التشريع. إلّا أنّ المجلس الدستوري لا يحقّ له تقييد دوافع المشرّع، بل تقتصر مهمته، عند الطعن، على إعلان ما إذا كان القانون مطابقاً للدستور أم لا. وعليه، فإنّ أصل القانون سياسي بامتياز، فهو ليس من صناعة القضاة أو أساتذة القانون؛ وغالباً ما يحتمي المشرّع بالأسباب الموجبة لإعطاء صبغة تقنية تخفي الطابع السياسي المحض للاقتراح. وغاب للأسف عن بال الكثيرين ممّن انتقدوا تمرير قانون العفو العام في آب الماضي (القانون رقم 70/2026) أنّ دوافع هذا القانون هي سياسيّة مذهبيّة صرفة، وأنّ من شرّعه هم أعضاء مجلس النواب، رجال السياسة بامتياز والممثلون الشرعيون للأحزاب. ثانياً: صلاحيّة المجلس الدستوري الضمنيّة لتفسير الدستور نصّت وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) صراحةً على إنشاء مجلس دستوري تكون من مهامه الأساسية "تفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين" (الإصلاحات الأخرى، ب-أ-3). غير أنه عند صياغة القانون التعديلي للدستور عام 1990 وقانون إنشاء المجلس رقم 250/1993، عَمَد مجلس النواب إلى حذف كلمة "تفسير" وحجب هذه الصلاحية عن المجلس الدستوري إصراراً من السلطة التشريعية على إبقاء الصلاحية المطلقة للتفسير في يد البرلمان باعتبارها مسألة سيادية. إلّا أنّ المجلس الدستوري يمتلك سلطة تفسير الدستور بشكل "عَرَضي وضُمني" فقط في معرض فحص دستورية نص قانوني طُعن فيه أمامه. وعند قيامه بهذا التفسير، فإنه يعطي النص الدستوري معناه الملزم، وتتكامل الحجّية الملزمة للقرار مع الحيثيات التي بُني عليها، ولكن مفاعيل هذا التفسير تنحصر في النص الذي كان محلّاً للطعن ولا تتعداه لتصبح قاعدة عامة ملزمة لسائر النصوص. وبالتالي، فإنّ المجلس الدستوري يمارس (كغيره من المحاكم) صلاحية تفسير النصوص القانونية عند غموضها للتأكد من مدى انطباقها أو تعارضها مع الدستور. في المقابل، إنّ هذا التفسير يهدف إلى إزالة الغموض واللبس واستخراج المعايير، مع ضرورة تقيد القاضي الدستوري بالنص لكي لا يقع في محظور "حكم القضاة" أو تجاوز مبدأ فصل السلطات. وقد شهد التاريخ التشريعي محاولات نيابية عدة لإعادة صلاحية تفسير الدستور صراحةً إلى المجلس الدستوري (مثل اقتراح النائب روبير غانم عام 2008)، إلّا أنها اصطدمت دائماً برفض الكتل البرلمانية خشية تقليص نفوذها. ثالثاً: حدود تعاطي السلطة القضائية مع قرارات المجلس الدستوري تتمتع قرارات المجلس الدستوري اللبناني بصفة الإلزام المطلق وبقوة القضية المحكمة تجاه الكافة ولجميع السلطات، بما فيها السلطة القضائية. وتتكامل الحجية الملزمة للقرار مع الحيثيات التي بُني عليها. فالمادة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري (رقم 250/1993) تنصّ بوضوح على أنّ قرارات المجلس الدستوري لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية أو غير العادية، وهي ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية. كذلك المادتان 51 و52 من القانون رقم 243/2000 (النظام الداخلي للمجلس الدستوري) تؤكدان على قوّة القضيّة المحكوم بها لقرارات المجلس الدستوري وعلى الصفة المبرمة والنهائية وقوّتها الإلزامية المطلقة تجاه سائر المراجع القضائية والإداريّة. وبالتالي، لا تملك المحاكم العدلية أو الإدارية أي سلطة لمراجعة أو تبديل ما قرره المجلس الدستو