ظنَّ كْريس لارهوفن، الآتي من هولندا، أنّ مشاركته ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ستنتهي عند حدود التبديل الدوري للجنود. فيعود إلى بلاده شاباً لم يتجاوز العشرين، حاملاً ذكريات عن مغامرة هادئة في بلد عربي صغير. على أنّ رحلة الاستجمام التي صوَّرها الجيش لجنوده، لم تكن كذلك على أرض الواقع. فالحياة في الجنوب المثقل بالحروب والمآسي الاقتصادية والاجتماعية، ستتحوَّل إلى كوابيس في ذهن الجندي الشاب، ويصاب بعدها بما يُعرَف بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" PTSD، إثر الأهوال التي شاهدها. والجنوب الذي صَدَم الهولندي الشاب، تحوَّلَ إلى العلاج الذي جعله يرى "الصورة ملوَّنة من جديدة". ليبدأ كريس في الجنوب رحلة جديدة، مع زوجة وابنة والكثير من الأصدقاء... والحروب المستجدّة. في أحد المقاهي القريبة من مرفأ مدينة صور، يحاول بعض الشبّان التحدّث إلى رجل ستّيني، بخليط كلمات عربية وانكليزية وفرنسية. ترتفع الضحكات، ويعلو الترحيب بـِ "كريس الأجنبي"، كما ارتضى لنفسه هذا الاسم، على كثرة ما استعمله الشبّان في صور، للتعريف بضيفهم الهولندي. رافق هذا الوصف، كريس، حتى بات جزءاً من هويّته "سمّيت نفسي، أجنبي"، يقول في حديث لـِ "المدن". وهذا الأجنبي يعيش في منطقة صور منذ نحو 22 عاماً. لكنّه لم يتعلّم العربية بطلاقة، ويعترف بأنّه "كسول". لكن الجنوبيين يحملون جزءاً من المسؤولية بالنسبة إليه. لأنّهم "شعب يتواصل مع الآخرين بأي طريقة كانت. بقليل من الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو إشارات اليدين أو نبرة الصوت، فيُفهَم الموضوع، ويخرج الكل سعيداً بهذا التواصل". وجاء "الأجنبي" إلى الجنوب للمرة الأولى في كانون الأول 1981، حين كان في الـ 19 من عمره، مدفوعاً بشغف المغامرة بعد إنهائه مرحلة الدراسة الثانوية. وفي الجنوب، عرف الأجنبيّ قرى المنصوري، زبقين، شيحين، شمع، طيرحرفا وغيرها من المناطق التي جالت فيها آليات قوات حفظ السلام، والتي يحفظها عن ظهر قلب حتى الآن، ويحفظ الكثير من عائلاتها وحاراتها وشوارعها. ساعدَ قرار عدم إكمال الدراسة إضافة إلى شغف البحث عن مغامرة ومعلومات الجيش في هولندا، في رسم صورة هادئة للبنان في ذهن لارهوفن ورفاقه ممّن اختاروا العمل في لبنان. لكن الصورة الجميلة تبدّلت سريعاً منذ لحظة وصول الطائرة إلى مطار بيروت. ويشير لارهوفن إلى أنّه "مع وصول الطائرة إلى أرض المطار، بدأنا نسمع أصوات القصف والرصاص، وأدركت حينها أنّ الوضع هنا ليس مثل الفيلم الذي أظهره لنا الجيش قبل مجيئنا. بل كانت صدمة حضارية. وما رأيناه في لبنان هو حرب أهلية، بداخلها صراع مع الجيران (إسرائيل). وكنا قد التمسنا على وجوه رفاقنا العائدين إلى هولندا، ما قد نواجهه في لبنان. إذ كانت وجوههم مثل وجوه الزومبي (الأموات الأحياء) وبعض الجنوب كانوا في عمر الـ 17 عاماً، وتوجّبَ على أهلهم التوقيع على موافقة قدومهم إلى لبنان". من مطار بيروت، توجّه الجنود في شاحنات إلى الجنوب "وعلى الطريق كنا نرى مشاهد الدمار الرهيبة". وهناك، بدأت رحلة غيّرَت الكثير في حياة الجندي الهولندي الذي كانت مهمّته قيادة سيارة الإسعاف. ومن خلال مهمّته، شاهد الأطراف المقطّعة والأشلاء. ومع الوقت، كانت تتحوَّل الصورة الجميلة للمهَمّة في لبنان، إلى صورة بالأبيض والأسود. الرحلة لم تدم طويلاً. لكنّها كانت كافية لتترك صدمة كارثية، ليس في ذهن لارهوفن فقط، بل في أذهان مئات الجنود الذين أصيبوا بـِ "اضطراب ما بعد الصدمة PTSD"، كما يقول لارهوفن الذي يؤكّد أنّ "نحو 10 بالمئة من الجنود الهولنديين الذين خَدموا في لبنان في تلك الفترة، أصيبوا باضطراب ما بعد الصدمة، وحملوا ذلك إلى بلادهم، وعانوا مع عائلاتهم وأطفالهم، وباتوا عنيفين جداً. فأثّر ذلك على علاقتهم بعائلاتهم وأولادهم". وعلى نحو شخصي، عاد لارهوفن إلى هولندا قبل فترة وجيزة من الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982. رغم سوداوية المشهد العام، كان هناك الكثير من بقع الضوء التي تركتها علاقة الجنوبيين بجنود قوات حفظ السلام. ووفق لارهوفن "كنا نساعد السكّان المحليين من خلال عملنا في الإسعاف. ومع الوقت، توطّدت العلاقة وباتوا يدعوننا لشرب الشاي. وبعض الشبّان كانوا يهرِّبون لنا عبوات البيرة، لأنّه كان يُمنَع علينا كجنود شرب البيرة أثناء الخدمة". ورغم اختلاف اللغة وعدم انتشار التعليم قياساً مع اليوم "كان التواصل ممكناً كيفما اتّفق، وبالإشارات وبعض العبارات. وكنا نتواصل مع تلامذة المدارس الذين كانوا بعمر الـ 14 عاماً تقريباً، إذ كانوا يعرفون اللغات الأجنبية". وأبعد من ذلك، "الوقت المذهل الذي قضيناه مع الناس البسطاء على طبيعتهم، جعلني أقرأ الكثير عنهم. فقبل 44 عاماً، لم أكن قد رأيت مسلماً من قبل، ولم أكن أعرف شيئاً عن الشيعة والسنّة والدروز. وفي الجنوب، رأيت لأوّل مرة المخيّمات الفلسطيني