حين نتحدث عن خلف أحمد الحبتور، لا نتحدث فقط عن مستثمر إماراتي يملك أعمالا في لبنان، بل عن رجل أعمال ذي حضور دولي، وعن مجموعة اقتصادية تمتد استثماراتها إلى قطاعات الفنادق والعقارات والسيارات والتعليم والنشر، في الإمارات وخارجها. ومجموعة الحبتور موجودة في أسواق من بينها لندن وفيينا وبودابست وبيروت والولايات المتحدة. وهذه ليست تفاصيل عابرة، بل تعكس حجم الاسم الاقتصادي الذي نتحدث عنه. في عالم الاستثمار، تتنافس الدول على استقطاب رجال الأعمال الكبار. تفتح لهم الأبواب، وتقدم لهم التسهيلات، وتعمل على توفير بيئة تتيح لهم توظيف أموالهم وتحقيق مشاريعهم. فالدولة التي تنجح في استقطاب مستثمر من هذا المستوى لا تستفيد من أمواله وحدها، بل يمكن أن تستفيد أيضًا من خبرته وشبكة علاقاته ومعاييره المهنية وقدرته على تطوير القطاعات التي يعمل فيها. هذه هي القيمة الحقيقية للاستثمار الكبير: أثر يتجاوز المشروع نفسه إلى الاقتصاد المحيط به. ولذلك، فالسؤال الذي يجب أن نطرحه في لبنان ليس فقط: ماذا حصل مع خلف الحبتور؟ بل أيضًا: كيف يمكن لدولة تحتاج إلى استثمارات جديدة، وفرص عمل، وإعادة الثقة باقتصادها، أن تتعامل مع مستثمر بهذا الحجم، في ظل الشكاوى والمواقف التي أُثيرت حول علاقته بلبنان؟ من استقطاب المستثمر إلى ضمان حقوقه بحسب ما أُثير في النقاش العام، تحدث الحبتور عن مضايقات وتهديدات، وعن إقفال مؤسسات مرتبطة باستثماراته في لبنان. وتناول الرئيس فؤاد السنيورة هذه القضية في مقال له، فيما دعا النائب أشرف ريفي إلى حماية المستثمرين وملاحقة من يهددهم إذا ثبتت الوقائع. هذه المواقف تطرح أسئلة تستحق إجابات رسمية واضحة. لكن من المهم، في الوقت نفسه، ألا نخلط بين الشكوى والحكم القضائي، وألا نعتبر أي اتهام حقيقة ثابتة قبل التحقق منه. المطلوب ليس إصدار حكم مسبق لمصلحة طرف ضد آخر، بل أن تقوم المؤسسات المختصة بواجبها: الاستماع إلى المعنيين، والتحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وإعلان الإجراءات التي يسمح القانون بإعلانها. وإذا ثبت وقوع تهديد أو مخالفة أو اعتداء على الحقوق، فيجب أن تجري المحاسبة وفقًا للقانون، أيًا تكن هوية المسؤول. وإذا لم تثبت الادعاءات، فمن واجب الجهات المختصة توضيح ذلك.لكن ما لا يجوز هو أن تبقى القضية معلّقة بين التصريحات والسجالات، فيما تتراجع الثقة بالدولة ومؤسساتها. والأخطر أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة للاستهزاء بالمستثمر أو التشهير به، بدلا من أن يكون النقاش قائمًا على الوقائع والأدلة. فالاختلاف مع رجل أعمال، أو الاعتراض على مواقفه، لا يبرر المساس بكرامته أو الانتقاص من حقوقه. وفي المقابل، لا يجوز استخدام مكانته أو حجم استثماراته لمنحه امتيازًا خارج القانون. المساواة أمام القانون هي التي تحمي المستثمر الكبير والصغير، وهي التي تمنح الدولة مصداقيتها. ليس صحيحًا أن لبنان يفتقر إلى أي إطار قانوني لحماية الاستثمار. فقانون تشجيع الاستثمارات رقم 360 الصادر عام 2001 ينظم جوانب من بيئة الاستثمار، وتحدد التشريعات اللبنانية قواعد الملكية والعقود والنشاط التجاري، كما توجد آليات للتحكيم وتسوية المنازعات التجارية. وقد انضم لبنان إلى اتفاقيات دولية تتعلق بالتحكيم وتسوية منازعات الاستثمار، وفقًا للمراجع القانونية المنشورة لدى المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان. لكن وجود النصوص القانونية وحده لا يكفي. فالمستثمر لا يقرأ القانون فقط، بل يراقب أيضًا كيفية تطبيقه، والوقت الذي يستغرقه القضاء للوصول إلى نتيجة، ومدى قدرته على حماية مصالحه عند نشوب خلاف مع شريك أو جهة متعاقدة. ومن هنا، فإن الحماية الحقيقية للاستثمار تتطلب ثلاثة عناصر متكاملة: قانونًا واضحًا، وقضاءً مستقلا وفعالا، وثقافة تجارية تحترم العقود والشراكات. فلا يمكن أن نطلب من مستثمر أن يضع أمواله في لبنان، ثم نتركه يشعر بأن حقوقه قد تصبح موضع تفاوض أو نزاع طويل بلا أفق واضح. ولا يمكن أن نشجعه على الدخول في شراكة، ثم نترك مصير هذه الشراكة رهنًا بعلاقات شخصية أو بتوازنات تتغير مع الوقت. المستثمر المغترب ليس أقل حاجة إلى الحماية وأنا أتحدث عن هذه القضية، لا أفعل ذلك من زاوية المستثمر الأجنبي وحده، بل أيضًا من زاوية اللبنانيين الذين يعيشون خارج وطنهم، ويحتفظون بعلاقة اقتصادية وعاطفية به، ويرغبون في العودة إليه أو الاستثمار فيه. هناك نوعان من المغتربين ينبغي أن تفكر الدولة في استعادتهما. الأول هو اللبناني الذي بنى حياته في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، وأصبح يملك عملا ناجحًا أو مهنة مستقرة. قد يقرر هذا الشخص أن ينقل جزءًا من نشاطه إلى لبنان، أو أن يؤسس مشروعًا فيه، أو أن يعود تدريجيًا ليعيش في وطنه. لكنه يحتاج إلى ضمانات تجعله مطمئنًا إلى أن انتقاله لن يتحول إلى مخاطرة غير محسوبة، وأن