في كتابه "الولايات المتحدة اللبنانية المحايدة – إشكاليات وحلول"، الصادر عن "دار ألف ياء للنشر"، يطرح الدكتور ميشال الشمّاعي مقاربة سياسية وفكرية لإشكالية لبنان المعاصرة، انطلاقًا من سؤال جوهري: هل يستطيع لبنان أن يستمرّ بالصيغة السياسية التي قام عليها، أم أنّ التحوّلات التي أصابت مجتمعه وبيئته الإقليمية والدولية باتت تفرض إعادة التفكير في شكل الدولة ونظامها السياسي؟ لا يتعامل الكتاب مع الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة إدارة أو أزمة حكومة أو أزمة نظام انتخابي فحسب، بل يذهب إلى مستوى أعمق، معتبرًا أنّ الإشكالية تكمن في الفلسفة السياسية التي قامت عليها الدولة اللبنانية وفي العلاقة بين مكوّناتها وحقّها في الوجود الحرّ داخل دولة واحدة. ينطلق الكتاب من تجربة البطريركية المارونية في طرح مفهوم "لبنان الحياد"، ولا سيّما "مذكرة لبنان والحياد الناشط"، ليضع الحياد في سياقه التاريخي والسياسي والقانوني. لكن الكتاب لا يتوقف عند الحياد بوصفه الحل النهائي، بل يطرح سؤالا أكثر جذرية: ماذا لو كانت مشكلة لبنان تتجاوز موقعه في الصراعات الإقليمية إلى بنية الدولة نفسها؟ من هنا تظهر فكرة "الكيانية اللبنانية" باعتبارها مدخلا لفهم التجربة اللبنانية، ومحاولة للانتقال من الدفاع عن وجود لبنان إلى البحث في الصيغة السياسية القادرة على ضمان استمراره. في الباب الثاني، ينتقل الكتاب من سؤال السيادة إلى سؤال الوجود، ويطرح مفهوم "الوجود الأقوى: من تيه الوجود إلى حق الوجود". ويجادل الكتاب بأنّ الحفاظ على لبنان لا يكون بمجرد إبقاء حدوده السياسية، بل بإنشاء نظام قادر على حماية تعدّده، بحيث لا تتحول التعدّدية إلى مصدر دائم للصراع أو إلى ذريعة لتعطيل الدولة. في الباب الثالث، يبحث في فلسفة البروباغندا السياسية ودورها في تشكيل الوعي العام، وفي كيفية استخدام الأفكار والشعارات لإعادة تعريف مفهوم الوطن والدولة والمقاومة والحرية. ويناقش الكتاب أثر الخطاب السياسي والإعلامي والتربوي في إعادة تشكيل وعي الأجيال، ويربط بين الصراع على الدولة والصراع على تعريف الإنسان اللبناني نفسه. أما في الباب الخامس، فيقرأ المؤلف التحولات التي عرفها لبنان من زاوية "الثورة الناقصة والتغيير المفقود"، متوقفًا عند انتفاضات المجتمع اللبناني. ويطرح سؤالا حول أسباب عجز الانتفاضات عن إنتاج تغيير سياسي بنيوي، وحول الشروط التي تجعل التحول الشعبي قادرًا على الانتقال من الاحتجاج إلى إعادة بناء النظام. هنا يصل الكتاب إلى فكرته المركزية: "الصيغة الحيادية، ويحاول تطوير الصيغة الدستورية بحيث تصبح الدولة أكثر قدرة على حماية مكوّناتها، وأكثر تحررًا من تأثير الصراعات الإقليمية. وفي هذا السياق، يقترح الكتاب نموذج «الولايات المتحدة اللبنانية»، مستلهمًا منطق الأنظمة اللامركزية والاتحادية، ولكن من دون نسخ نموذج أجنبي بصورة حرفية. ويؤكد في خاتمته أن الصيغة المقترحة يجب أن تنطلق من الخصوصية اللبنانية نفسها، ومن التركيبة الحضارية والاجتماعية التي تميّز لبنان. ومن أبرز القضايا التي يناقشها الكتاب مسألة اللامركزية السياسية، بوصفها وسيلة للحفاظ على الوحدة مع الاعتراف بالتعدد. لذلك يقترح الكتاب مجموعة من الأفكار المتعلقة بالنظام الانتخابي، وبناء مجلس مركزي ومجالس محلية، وتطوير التمثيل السياسي، وصولا إلى صيغة اتحادية تتلاءم مع الواقع اللبناني. وفي هذا الإطار، يطرح الكتاب فكرة أن لبنان يحتاج إلى نظام يضمن تمثيل مكوّناته، ويمنع في الوقت نفسه تحوّل الطوائف إلى جزر سياسية مغلقة، بحيث يصبح الاتحاد إطارًا لحماية التنوع لا وسيلة لترسيخ الانقسام. لا يطرح الكتاب الفدرالية أو الاتّحاد الكونفدرالي بوصفهما ترفًا سياسيًّا أو وصفةً مستوردة، بل باعتبارهما محاولةً لإعادة تنظيم العلاقة بين مكوّنات المجتمع اللبناني داخل إطارٍ يحفظ وحدة الدولة، ويمنع تكرار تجربةٍ أثبتت أنّ فرض صيغةٍ واحدة على مجتمعٍ متعدّد لا ينتج استقرارًا دائمًا. لكنّ الكتاب يضع أمام اللبنانيين تحذيرًا أكثر خطورة: إنّ رفض البحث الجاد في هذه الصيغ، أو إفشالها قبل اختبارها، لا يعني بالضرورة بقاء لبنان على ما هو عليه. فما يبدو اليوم اقتراحًا لتطوير الدولة قد يصبح غدًا الحدّ الأدنى المطلوب للحفاظ عليها. لذلك لا ينبغي للبنانيين أن ينتظروا انهيار الصيغة القائمة حتى يكتشفوا ضرورة التغيير، ولا أن يكرروا أخطاء الماضي حين كان رفض التسويات الممكنة يؤجّل المشكلة إلى أن تعود في صورة أشدّ كلفة. في الباب الأخير، ينتقل الكتاب من سؤال "كيف يبقى لبنان؟" إلى سؤال أكثر طموحًا "كيف يبني لبنان مستقبلا مختلفًا؟". فالغاية ليست المحافظة على صيغة سياسية أثبتت التجربة محدوديتها، ولا إعادة إنتاج لبنان القديم بأدوات جديدة، بل محاولة بناء "لبنان جديد" يقوم على الحرية والتعددية والسيادة، وعلى علاقة