حملت الزيارة رسالة حازمة إلى النظام الإيراني (أ ف ب) في منطقة تقف على فوهة بركان، يضع اجتماع طهران النظام الإيراني أمام اختبار حاسم: إمّا ترجمة الدبلوماسية إلى تغيير فعلي في السلوك الإقليمي، وإمّا مواجهة قد تتجاوز حدود إيران وتعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. وبين تضاؤل فرص احتواء الأزمة وتصاعد الاستعدادات العسكرية، يتحرّك "تحالف مكة الدفاعي" بثقل سعودي وباكستاني وتركي، جامعًا بين الردع والتفاوض لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة. جمع الاجتماع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن، فيما شارك من الجانب الإيراني الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي. وتنبع أهمّية اللقاء من مستوى المشاركين وتوقيته، وسط استمرار الهجمات الحوثية على السعودية وتصاعد المخاوف من تجدّد المواجهة الأميركية - الإيرانية. ولا يقتصر التحرّك على فتح قناة للحوار، بل يعكس توجّهًا سعوديًّا نحو مقاربة أمنية أكثر مباشرة، تستند إلى "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" والتنسيق بين السعودية وباكستان وتركيا. وتحمل مشاركة القيادات العسكرية والاستخباراتية رسالة إلى طهران بأن أمن المملكة ومصالحها الحيوية خط أحمر، وأن استمرار التهديدات يفرض تعزيز التنسيق الدفاعي وترسيخ الردع، بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية. في المقابل، يبرز مقترح لإنهاء التصعيد يحظى بموافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع إمكانية أن تؤدّي الدول المرتبطة بالاتفاقية، إلى جانب قطر وسلطنة عُمان، دور الضامن لأي تفاهم. لكن نجاح هذا المسار يبقى رهنًا بتحويل الحوار إلى التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ، تمنع استغلال المفاوضات لكسب الوقت أو مواصلة التصعيد عبر ساحات إقليمية متعدّدة. مصادر مصرية مطّلعة تحدّثت إلى "نداء الوطن" اعتبرت أن الوقت يضيق أمام الدبلوماسية، وأن اجتماع طهران يُمثّل فرصة حاسمة قبل تجدّد الحرب الأميركية - الإيرانية. وأشارت إلى أن استمرار الهجمات الحوثية بالتزامن مع الاستعدادات الأميركية يُقلّص هامش احتواء الأزمة، مؤكّدةً أن الحوار لا يكتسب جدواه ما لم تترجمه طهران إلى تغيير ملموس في سلوكها وسلوك الأذرع المرتبطة بها في المنطقة. وتضيف المصادر أن موافقة مجلس النواب المصري على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم السعودية والدفاع عنها إذا طلبت الرياض ذلك توسّع دائرة الإسناد الإقليمي للمملكة. فالقاهرة تعتبر أمن السعودية مرتبطًا بأمنها القومي، خصوصًا في ظلّ التهديدات التي تطول مضيق باب المندب وقناة السويس. وتشدّد المصادر على أن استهداف محطات الضخّ على خط الأنابيب النفطي السعودي شرق - غرب، ومطار الرياض والمنشآت الاقتصادية، يحوّل البنية التحتية إلى أداة ضغط تهدّد الاقتصاد والتجارة الدولية. ويعزّز استمرار الاعتداءات الحاجة إلى تنسيق دفاعي أوسع لحماية الأراضي السعودية والممرّات الحيوية، ومنع انتقال الصراع إلى مواجهة إقليمية أشمل. وتتجاوز دلالات هذا الحراك حدود الترتيبات الثنائية، إذ ترتبط بحماية طرق الطاقة والتجارة ومنع توظيف الجماعات المسلّحة لفرض وقائع جديدة. لذلك، ستُقاس جدّية أي تفاهم بقدرته على وقف الهجمات عمليًّا، لا بمجرّد صدور بيانات سياسية. أمّا الاختبار الحقيقي للعلاقات بين دول "تحالف مكة" وإيران، فتراه المصادر في قدرة طهران على ضبط سلوكها الإقليمي ومنع الميليشيات المرتبطة بها من افتعال توتّرات جديدة. فإعادة بناء الثقة تتطلّب خطوات عملية تشمل وقف التصعيد في اليمن، واحترام أمن مضيق هرمز، ومعالجة ملف الجماعات المسلّحة التي تهدّد استقرار المنطقة، بدلًا من الاكتفاء بتعهّدات لا تنعكس على الأرض. وفي موازاة الدبلوماسية، تتحدّث تقديرات عن جاهزية القوّات الأميركية لبدء عمليات خلال أيّام من صدور الأمر، مع احتمال استهداف منشآت للطاقة ومواقع عسكرية ونووية إيرانية. ولا تعني هذه المهلة حسم قرار الحرب، لكنّها ترفع الضغوط على الوساطات التي تتحرّك عبر الرياض وأنقرة وإسلام آباد والدوحة ومسقط وموسكو، وتضع التسوية أمام سباق مع الوقت. يُشكّل اجتماع طهران اختبارًا لقدرة النظام الإيراني على الاختيار بين تسوية تحفظ الاستقرار ومواجهة تتعدّد جبهاتها وتتضاعف كلفتها. فالثقل السعودي والباكستاني والتركي، إلى جانب التحرّك المصري، يؤكد أن أمن المنطقة وممرّاتها الحيوية لم يعودا يحتملان استمرار التصعيد. وأمام طهران فرصة أخيرة لترجمة الحوار إلى أفعال؛ فالمطلوب تغيير ملموس يوقف التهديدات ويعيد الاعتبار للدولة والاستقرار. أمّا إذا انتصرت حسابات المواجهة، فقد تجد المنطقة نفسها أمام حرب يصعب احتواء نتائجها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن تداعياتها.