ما بين ثورة 17 تشرين 2019 في لبنان وعبور 7 تشرين 2023 في غزة 29 تشرين الأول 2026 · 01:05 ص قراءة في 6 دقائق حجم الخط في تاريخ الشعوب لحظات تبدو مفاجئة لكنها تكشف تصدّعات تراكمت طويلاً تحت سطح الواقع السياسي والاقتصادي، وقد تتحوّل هذه اللحظات إلى فرص للتغيير أو مداخل لإعادة إنتاج الأنظمة القائمة أو صراعات تتجاوز نتائجها إرادة الذين أطلقوها. وبين 17 تشرين الأول 2019 في لبنان و7 تشرين الأول 2023 في غزة مسافة زمنية وسياسية وعسكرية واسعة لكن الحدثين يطرحان سؤالاً مشتركاً، ماذا يحدث عندما ينفجر واقع مأزوم من دون أن تتوافر استراتيجية قادرة على تحويل الانفجار إلى مشروع بديل؟ لم تكن انتفاضة 17 تشرين ثورة مسلحة بل تحركاً شعبياً واسعاً ضد الفساد والمحاصصة والانهيار الاقتصادي، أما 7 تشرين فكان عملية عسكرية نفذتها حركة حماس اخترقت خلالها مواقع إسرائيلية وأدت إلى مقتل عسكريين وأسر رهائن وأطلقت حرباً مدمرة امتدت تداعياتها إلى المنطقة والعالم. لذلك لا تقوم المقارنة على مساواة الحدثين بل على دراسة المفاجأة وهشاشة الافتراضات السياسية والفجوة بين القدرة على تفجير الأزمة والقدرة على التحكّم بمآلاتها. لم تكن الضريبة التي فجّرت الاحتجاجات في لبنان سوى شرارة لأزمة متراكمة، فقد سبق الانتفاضة اقتصاد مثقل بالدين والعجز ونموذج مالي يعتمد على تدفقات الودائع واقتصاد إنتاجي ضعيف ونظام محاصصة أتاح للقوى السياسية توزيع النفوذ والمنافع على حساب فعالية المؤسسات وصولاً إلى إضعاف الدولة وتفشيلها. وكانت الهندسات المالية التي نفذها مصرف لبنان عام 2016 إحدى المحطات المفصلية في هذا المسار، إذ هدفت إلى تعزيز الاحتياطيات والسيولة لكنها رفعت في المقابل المخاطر على ميزانية المصرف المركزي وزادت انكشاف المصارف على الدولة وعمّقت الاختلالات. وقد سبقت هذه العملياتَ اختلالاتٌ مالية ونقدية متراكمة يعززها تداخل سلطات بما يجعل الأزمة نتيجة مسار طويل لا حدثاً منفرداً أو قراراً واحداً. خرج اللبنانيون من بيئات وطوائف مختلفة مطالبين بالمحاسبة واستعادة الحقوق وبناء دولة تحكمها القوانين لا التسويات بين أصحاب النفوذ. لكن الانتفاضة رغم اتساعها وقدرتها على كسر حواجز سياسية واجتماعية لم تتمكن من إنتاج قيادة وطنية موحّدة وبرنامج انتقالي متكامل يحوّل الغضب الشعبي إلى تغيير مؤسساتي مستدام. وقد أتاح هذا الفراغ للقوى القائمة استعادة المبادرة فيما تعمّق الانهيار المالي وتعذّر على المودعين الوصول إلى أموالهم وتراجعت الثقة بالمصارف والقضاء والدولة. لم تكن الانتفاضة سبب الانهيار بل كشفت عمق الأزمة وعجز النظام عن معالجتها، ولا يمكن استبعاد فرضية استغلال السلطة لحالة الاحتجاج في إدارة الأزمة وتبرير نتائجها بعد تحويلها الى حيث تريد، والثابت أن منظومة الحكم أخفقت في معالجة الاختلالات وحماية الحقوق وأن تشابك المصالح وشبكات النفوذ أتاح لها البقاء السياسي رغم تراجع قدرتها على أداء وظائف الدولة. وهنا تتجلّى المفارقة اللبنانية قد تبقى السلطة قائمة فيما تتآكل الدولة وقد تتغيّر الحكومات من دون أن تتغيّر قواعد توزيع النفوذ والمساءلة. كما لا يمكن فصل التحوّلات الإقليمية عن التنافس على التجارة والطاقة ومراكز النقل ففي أيلول 2023 أُعلن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بمشاركة الولايات المتحدة والهند ودول خليجيّة ودول أوروبية بهدف تعزيز الترابط التجاري والبحري والسككي عبر مسارات تشمل إسرائيل. لم يكن المشروع مجرد خط نقل بل جزءاً من تنافس دولي على سلاسل الإمداد والاستثمار والطاقة ومواقع النفوذ، وفي هذا السياق أعاد 7 تشرين طرح سؤال جوهرياً، هل يمكن بناء منظومة اقتصادية إقليمية مستقرة مع إبقاء القضية الفلسطينية بلا حل؟ لا يثبت التزامن أن الممر كان سبباً مباشراً للحرب ولا يجوز اختزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المنافسة الاقتصادية، لكن التجربة أظهرت أن مشاريع الربط الإقليمي تظل عرضة للاهتزاز إذا تجاهلت النزاعات السياسية والحقوق الوطنية، فالممرات لا تعبر الجغرافيا وحدها بل تمرّ عبر مجتمعات ومصالح وحدود ولا يمكن ضمان استدامتها من دون بيئة سياسية وأمنية مستقرة. بعد 17 تشرين لم ينجح لبنان في الانتقال من الاحتجاج إلى الإصلاح، كما لم تؤدِّ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وما رافقها من مبادرات إلى التحوّل المؤسسي المنشود، وقد أثبتت التجربة أن التدخّل الخارجي لا يعوّض غياب الإرادة الداخلية ولا يستطيع فرض إصلاح مستدام ما دامت القوى المستفيدة من النظام قادرة على تعطيله. وبعد 7 تشرين دخل حزب الله الذي عارض الانتفاضة ومطالبها في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، ثم توسّعت الحرب مخلفة خسائر كبيرة وتغييرات في ميزان القوى بينها استشهاد الأمين العام للحزب. أما أهم الإرتدادات الكبيرة