جاء الاجتماع الأمني الرباعي في طهران كمحاولة إقليمية حذرة لضبط الإيقاع قبل انفجار السقف على الجميع. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً ومصيرية بالنسبة إلينا في بيروت: أين يقع لبنان في جدول أعمال العواصم المتفاوضة؟ هل نحن أمام فرصة استعادة للدولة، أم مجرد ورقة مقايضة جديدة على طاولة التوازنات الكبرى؟ إن المشاركة السعودية أمام القيادة الإيرانية وبحضور تركي وباكستاني، تعكس تحوّلاً من إدارة الصراع بالواسطة إلى اختبار مباشر لإمكانية صياغة أطر للتهدئة. وفيما تدرك الرياض أن استقرار المنطقة يبدأ من كبح أدوار السلاح خارج أطر الدولة، تحاول طهران استخدام ورقة النفوذ الإقليمي لرفع الضغوط عنها وضمان موقعها التفاوضي. وبالمقابل، يجد «حزب الله» نفسه اليوم أمام معادلة حتمية؛ إذ إن أي تفاهما إقليميا تجريه إيران لحماية أولوياتها الوطنية سينعكس تلقائياً على خيارات الحزب الميدانية وسقفه السياسي في الداخل اللبناني. لقد علّمتنا التجارب أن لبنان يدفّع دائماً ثمن التجاذبات الإقليمية، لكنه أيضاً يُقايَض به في لحظات التوافق. فالخشية الكبرى ليست من إغفال الملف اللبناني على طاولة المشاورات، بل من التعاطي معه بوصفه ساحة ثانوية تُصاغ لها «إدارة أزمات موقتة» لا حلاً جذرياً. إن تسويةً تكتفي بتوزيع النفوذ أو تقاسم الأدوار بين القوى الإقليمية لن تمنح لبنان سوى هدوء هجين، يُرحّل الانفجار ولا يلغيه. إن فرصة التهدئة التي قد يتيحها هذا الحراك لا يجوز أن تُترك لانتظار نتائج إملاءات الخارج. المسؤولية الوطنية تُحتّم على السلطة السياسية في بيروت التقاط اللحظة، والتحرك بحزم لإعادة ترتيب البيت الداخلي: فرض مرجعية الدولة الحصرية في قرار الحرب والسلم، تعزيز انتشار الجيش اللبناني، وتطوير التفاهمات الدولية بما يضمن السيادة الكاملة. لا يحتاج اللبنانيون إلى صفقات جديدة تُدار من خلف الحدود، بل إلى بيئة إقليمية تساعدهم على استعادة قرارهم الوطني المخطوف. الاختبار الحقيقي لمباحثات طهران لن يُقاس بصدور البيانات الدبلوماسية، بل بمدى ترجمتها في بيروت: إما تهدئة حقيقية تحمي البلاد وتُعيد الاعتبار للمؤسسات والسيادة، وإما ترحيلٌ جديد للأزمة يُبقي لبنان ساحة معلقة في انتظار الجولة القادمة من الحريق.