عند الحديث عن تاريخ الثورات في فرنسا، سرعان ما تتبادر إلى الأذهان صورة الشارع الذي أسقط أنظمة حكم، وانتزع الحقوق، وواجه سياسات السلطات المتعاقبة. فمن بلاد الغال انطلقت أفكار الحرية والمساواة والمواطنة التي تركت بصمتها في بناء الدولة الحديثة وإعادة رسم العلاقة بين الشعوب وحكّامها. ومن ثورات القرن التاسع عشر إلى الانتفاضات الطلابية والعمّالية، وصولاً إلى الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية المعاصرة، ظلّ الشارع ركناً أساسياً في الحياة السياسية الفرنسية، ومرآةً لتحوّلات المجتمع وأزماته. اليوم، تعود مشاهد الحشود في الشوارع الفرنسية إلى الواجهة، في ظل تصاعد الاحتجاجات الطلابية وتفاقم الأعباء المعيشية وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية. ومع اقتراب نهاية ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون والانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، تتجاوز التحركات الراهنة حدود الاعتراض على قرارات حكومية محددة، لتطرح تساؤلات أعمق بشأن شرعية السلطة التنفيذية، وأزمة الأحزاب التقليدية، وهوية فرنسا ومستقبل نظامها السياسي. وفي قراءتين متكاملتين للمشهد، يرى الصحافي والكاتب أسامة حريري، المقيم في فرنسا، أن البلاد تواجه أزمة حكم وثقة متراكمة نتيجة سياسات حكومية لم تنجح في الاستجابة لمطالب المواطنين ومخاوفهم، فيما يضع الصحافي والكاتب في الشأن السياسي الفرنسي تمام نور الدين الاحتجاجات في سياق أوسع، تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع الاستقطاب السياسي وأزمة شرعية ماكرون والتحولات التي يشهدها المجتمع الفرنسي. يرى حريري أن ما تشهده فرنسا اليوم لا يمكن اختزاله في موجة احتجاجات عابرة، بل يعكس أزمة حكم وثقة متراكمة بين المواطنين والسلطات، تفاقمت بفعل السياسات الحكومية المتعاقبة وعدم قدرتها على معالجة المطالب الشعبية. وإلى جانب العوامل الداخلية، تتزايد الضغوط بفعل أزمات دولية متلاحقة، من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى تراجع الثقة بالولايات المتحدة وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وما رافق ذلك من ارتفاع أسعار المحروقات وتزايد الأعباء الاقتصادية. وفي حديثه عن طبيعة الأزمة، يوضح حريري أن "ما يحدث اليوم في فرنسا، إذا أردنا أن نكون راديكاليين في الطرح، هو أزمة حكم بكل ما للكلمة من معنى، وأزمة جمهورية أصبحت هرمة فعلياً نتيجة السياسات الحكومية المتعاقبة، التي لم تلبِّ مطالب المواطنين ومخاوفهم". ويضيف أن هذه الأزمة الداخلية تتقاطع مع تحولات عالمية عميقة، تشمل أزمة العولمة والتغير التكنولوجي المتسارع والدخول في عصر الذكاء الاصطناعي، ما يزيد من تعقيد التحديات التي تواجهها الحكومة الفرنسية. وفي هذا السياق، يضع نور الدين الاحتجاجات الراهنة ضمن ثلاثة عوامل رئيسية، هي التحركات الطلابية، وتفاقم الضغوط المعيشية، وأزمة شرعية ماكرون السياسية. وتتداخل هذه العوامل، وفق قراءته، في ظل استقطاب متزايد يجعل الشارع مساحة أساسية للتعبير عن الاعتراض على السياسات الحكومية، وكذلك عن الخلافات المتعلقة بمستقبل البلاد واتجاهاتها السياسية. وعلى المستوى الاجتماعي، يلفت حريري إلى أن غياب الثقة بالسلطات بات من أبرز القواسم المشتركة بين المحتجين، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العامة. ويقول إن "المشاكل الحقيقية التي نستمع إليها في الشارع الفرنسي هي، في المقام الأول، المشاكل الاقتصادية الناتجة من تضخم الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية"، مشيراً إلى أن الصعوبات المعيشية تترافق مع تراجع مستوى الخدمات في المستشفيات والمدارس، وأحياناً في البنى التحتية الأساسية. ومن جهته، يشير نور الدين إلى أن ارتفاع تكاليف الحياة لم يعد مسألة هامشية، بل بات يمس مختلف جوانب الحياة اليومية، من التدفئة والوقود إلى الغذاء والملبس. ويقارن بين الأعباء المالية التي كانت تتحملها الأسر الفرنسية لتدفئة منازلها عام 2006، والتي يقدّرها بنحو 30 إلى 40 يورو شهرياً، وما أصبحت تدفعه اليوم، وفق تقديره، من 300 إلى 400 يورو. ويرى أن هذا التفاوت يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، في ظل ما يعتبره غياب زيادات كافية في الأجور لمواكبة ارتفاع النفقات. ولا تقتصر الأزمة، بحسب حريري، على الجانب الاقتصادي، بل تشمل أيضاً انقطاع قنوات التواصل بين المواطنين والسلطة. ففي هذا الإطار، يشير إلى أن بعض المحللين يعزون جانباً من المشكلة إلى سياسات ماكرون، الذي همّش، على مدى الأعوام الماضية، دور النقابات التي تؤدي تقليدياً وظيفة الوسيط بين السلطة والمواطنين. كما يلفت إلى الانتقادات الموجهة إلى الرئيس بسبب تهميش المعارضة السياسية وعدم التوصل إلى تفاهمات معها بشأن القضايا المطروحة. الاحتجاجات الطلابية وتراجع الخدمات العامة تشكّل التحركات الطلابية أحد أبرز وجوه الاحتجاجات الحالية، إذ تعكس، بحسب حريري، جانباً ملموساً من تراجع الخدمات العامة. ويحتج الطل