هل حاولت إسرائيل التنصت على اجتماع طهران الرباعي؟ أم كانت الولايات المتحدة وراء العملية؟ وهل يمكن أن تقود الخيوط إلى فرع من الحرس الثوري الإيراني؟ ثلاثة أسئلة أشعلتها رواية عن جهاز تسجيل مشبوه وُجد في قاعة الاجتماع، لكن المعلومات المنشورة لا تسمح حتى الآن بتسمية متهم، ولا حتى بإثبات أن تنصتاً وقع بالفعل. جهاز مجهول… ورواية تنتظر الإثبات بدأت القصة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عندما نشرت الصحفية الباكستانية غريدة فاروقي، عبر منصة "إكس"، معلومات نسبتها إلى مصادر لم تكشف هويتها، قالت إن فرقاً استخباراتية باكستانية وتركية اكتشفت جهازاً مشبوهاً خلال تفتيش القاعة قبل اجتماع ممثلي إيران والسعودية وتركيا وباكستان، وأزالته قبل انطلاق المحادثات، وفق النص الذي نقله موقع "أردو بوينت" الباكستاني. الرواية جذابة: مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى، واجتماع مغلق، وجهاز مجهول داخل العاصمة الإيرانية. غير أن انتشارها لم يصاحبه أي تأكيد رسمي أو تقرير فني يحدد طبيعة الجهاز. الرواية تقول إن الجهاز أُزيل قبل بدء الاجتماع. وعليه، نحن أمام محاولة تنصت أُحبطت، لا أمام محادثات جرى اختراقها. أما وصف الجهاز بأنه غريب أو مجهول، فلا يكشف الجهة التي صنعته أو زرعته. لماذا تستحق هذه الطاولة المراقبة؟ بعيداً عن الجهاز المزعوم، كان الاجتماع نفسه حدثاً يستحق المتابعة. فقد استضاف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن. وأعلن البيان المشترك اتفاق المشاركين على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون والسلام والأمن الإقليميين. إنه لقاء يجمع مؤسسات الدفاع والاستخبارات وصناعة القرار الأمني. وبحسب وكالة "الأناضول"، تناولت المحادثات الأمن الإقليمي والأنشطة الإسرائيلية والتطورات في فلسطين ولبنان. ونقلت "إيران برس" عن الخارجية الإيرانية أن اللقاء جاء بمبادرة باكستانية، في إطار البحث عن ترتيبات أمنية تستند إلى تعاون دول المنطقة. القيمة الاستخباراتية المحتملة هنا تتجاوز معرفة ما سيصدر في البيان. فالمهم لأي مراقب خارجي هو ما لا يُنشر: حدود التفاهم بين المشاركين، وحجم اختلافاتهم، والخطوط التي يرفض كل طرف تجاوزها. ومعرفة هذه التفاصيل قد تساعد على قراءة خطواتهم المقبلة، أو تقدير استعدادهم لتنسيق مواقفهم. إسرائيل وواشنطن والحرس: أين الدافع وأين الدليل؟ في قراءة للدوافع، قد ترغب إسرائيل في معرفة ما يناقشه اجتماع يضع أنشطتها ضمن جدول أعماله. لكن الانتقال من هذه المصلحة المحتملة إلى اتهام الموساد يحتاج إلى رابط معلوماتي عن زرع الجهاز أو تشغيله أو الجهة المستفيدة منه. ولا تقدم الرواية المتاحة إلى الآن شيئاً من ذلك. وتنطبق القاعدة نفسها على الولايات المتحدة. يمكن افتراض اهتمام واشنطن بمسار التنسيق الأمني بين هذه العواصم، لكن الاهتمام لا يثبت التنفيذ. ولا توجد قرينة تتيح ترجيح المسؤولية الأميركية، منفردة أو بالتعاون مع طرف آخر. أما إدخال الحرس الثوري في دائرة الاشتباه، فينطلق من سؤال مختلف: هل يمكن أن يكون التسجيل صادراً عن جهة داخل الدولة المضيفة؟ احتمال كهذا لا يُحسم بسهولة. فإقامة الاجتماع في طهران لا تثبت هوية الجهة المسؤولة عن تجهيز القاعة، ولا تكشف ترتيبات التسجيل المتفق عليها. وإسناد العملية إلى فرع من الحرس يحتاج إلى دليل مستقل. كذلك، ينبغي الفصل بين الرغبة في جمع المعلومات والرغبة في إفشال الاجتماع. حتى لو ثبت وجود جهاز تنصت، فهذا لا يعني أن واضعه أراد تعطيل التقارب. بل على الأرجح كان الهدف معرفة اتجاهه وحدوده، أو الاستعداد لنتائجه. والخيارات الثلاثة بشأن من زرع جهاز التنصت ليست قائمة مغلقة. والسؤال ليس: من يملك مصلحة بالتنصت على الدول الأربع؟ حتى تظهر هذه المصلحة، يبقى اجتماع طهران حقيقة موثقة، وهوية الفاعل مجهولة. وقد يبدأ الكشف الحقيقي بصورة موثقة أو تقرير فني، أما توزيع الاتهامات، فلن يكشف ما دار خلف الأبواب، بل سيضيف إلى غموضها.