ظهرت النتائج شبه النهائية للانتخابات الإسرائيلية لتظهر خسارة الجميع تقريباً، ما عدا الصوت العربي الذي فاق التوقعات. وعلى الرغم من مسارعة القوتين الأكبر في المعسكرين الموالي لبنيامين نتنياهو والمعارض له إلى إطلاق صيحات النصر، إلا أن الوجوه كانت في الغالب مكفهرة. فالنتيجة التي أظهرت تفوق معسكر نتنياهو على معسكر خصمه، لم تقلل من حجم الإحساس بالخسارة. فرئيس معسكر كان يملك ما يقرب من 68 مقعداً ويقود حكومة قادرة على تمرير أي قرار تريده، صار يتباهى بأن معسكره يملك 55 أو 56 مقعداً لا تمكنه من تشكيل حكومة تنال الثقة. كما أن المعسكر المضاد لنتنياهو كان قد كبّل نفسه بقرار عدم التحالف مع العرب أو الاستناد إلى أصواتهم، وهذا ما قاد إلى صك تعابير مثل "الأكثرية اليهودية" و"الأكثرية الصهيونية" وما خلق انقلاباً في المفاهيم تُظهر مدى الالتزام بها ومعانيها الحقيقية. ائتلاف نتنياهو السابق استند بشكل ساسي على "الليكود" بصيغته القومية الفاشية متحالفاً مع الصهيونية الدينية العنصرية ممثلة بحزبي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، ومؤتلفاً مع الحريديم من "شاس" و"يهدوت هتوراه". ومن الشائع في الأدبيات الإسرائيلية أن الحريديم لا يُعتبرون من أنصار الصهيونية لذلك ساد استخدام الأغلبية اليهودية. ولكن في المعسكر المقابل، والذي هو بأغلبيته الساحقة من اليمين، سواء القومي أو الليبرالي، صكوا تعبير الأغلبية الصهيونية مركزين في الأساس على قانون الخدمة العسكرية. وكان أحد الخلافات الجوهرية بين المعسكرين يتركز حول قانون تجنيد طلاب المدارس الدينية الحريدية للخدمة العسكرية. وعلى الرغم من أن قضايا مثل السلام مع الفلسطينيين والعرب لم تلعب دورا مركزيا في الانتخابات الإسرائيلية، إلا أن طول فترة الحرب ومترتباتها الاقتصادية والدولية أظهرت نوعاً من الفوارق بين المعسكرين. ولم ترقَ هذه الفوارق أبداً إلى مستوى جوهري وبقيت في إطار الأسلوب أكثر من الرؤية نفسها. فنظرية الحرب الدائمة في نظر الجميع أقرب إلى تطور طبيعي للرؤية العسكرية التي رأت أن منهج الاحتواء والتروي يزيد من المخاطر، لذلك لا مجال سوى لتدمير المخاطر أثناء تبلورها. وتكفي هنا الإشارة إلى أن زعيم المعسكر المناهض لنتنياهو، الجنرال غادي آيزنكوت، هو من وضع نظرية "عقيدة الضاحية" التي نُفذّت في حرب تموز 2006 ضد لبنان. وتقضي هذه النظرية بأنه مقابل كل صاروخ يطلق على إسرائيل ستدمر إسرائيل مجمعات سكنية وأبراج في بيروت. كما لا تظهر فوارق أساسية بين معسكر نتنياهو ومعارضيه تجاه الفلسطينيين. فمنهج الاستيطان الزاحف الذي يجرد الفلسطينيين تدريجياً من أراضيهم ويمنعهم من ممارسة حقهم الوطني على أرضهم، لا خلاف عليه بينهم. وإذا كان هناك خلاف شكلي حول الترحيل والتهجير فإنه يدور حول توفر الظروف وعدمها أكثر مما يدور حول شرعية ذلك من عدمه. وهكذا فإن المعسكرين يحملان، إجمالاً، الجينات نفسها بصرف النظر عن المسميات. تظهر المعضلة الاساسية في أن فوز "الليكود" بلقب الحزب الأكبر كان في الأصل على حساب حلفائه الأساسيين. فـ"الليكود" نال في الانتخابات السابقة 32 مقعداً من دون حساب كتلة جدعون ساعر الذي انضم لاحقاً. كما فازت الصهيونية الدينية التي كانت تضم حزبي سموتريتش وبن غفير بـ14 مقعداً. كذلك فإن "شاس" فازت حينها بـ12 مقعداً وكذا حال الحريديم الذين فازوا بـ7 مقاعد. وهكذا فإن الليكود وفق آخر النتائج فاز بـ28 مقعداً، فيما نال حزبا سموتريتش وبن غفير مجتمعين 13 مقعداً، وفازت "شاس" بـ7 والحريديم بـ7 أخرى. وهكذا بحساب بسيط خسر معسكر نتنياهو ما لا يقل عن عشرة مقاعد. ولكن المعسكر المقابل ليس في وضع أفضل. فالنتائج الأولية تمنح حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت وهو حزب جديد، 21 مقعداً. كما أن تحالف "يش عتيد" مع نفتالي بينت والذي كان يملك ما يقرب من 30 مقعداً في الانتخابات السابقة، لم يحصل هذه المرة سوى على 11 مقعداً. وفي المقابل فاز حزب الديمقراطيين بـ8 مقاعد، على الرغم من أنه في الانتخابات السابقة لم ينَل تحت اسم حزب "العمل"، سوى 4 مقاعد فقط. لكن المعسكرين الخاسرين يدّعيان القدرة على تشكيل الحكومة الجديدة أو منع كل منهما للآخر من تشكيل هذه الحكومة، ما يعني شلّ العمل الحكومي. وطبيعي أنه لا يمكن تحقيق اختراق في هذا الأمر إلا عبر القفز عن التقسيم الحالي والعمل وفق واحد من السيناريوهات المتوقعة التالية: أول هذه السيناريوهات، تحقيق رغبة الرئيس الإسرائيلي اسحاق هرتسوغ بتشكيل حكومة وحدة وطنية لتجنب خوض معركة انتخابية أخرى في هذه الظروف. ومثل هذه الوحدة ممكنة فقط إذا تخلى الشركاء فيها عن وعود وتعهدات سبق وأطلقوها، خصوصا عدم المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو. ويبدو، وفق هذا السيناريو، خصوصاً بعد أن فاز حزب نتنياهو بلقب الحزب الأكبر، أن على كل من آيزنكوت وليبرمان وبينيت ابتلاع أ