في مناسبة استعادة أفلامها الثلاثة، "سكّر بنات" و"وهلّأ لوين؟" و"كفرناحوم" في مهرجان لوميير الأخير (ليون)، عادت المخرجة اللبنانية نادين لبكي إلى بداياتها، كاشفةً عن مسيرة سينمائية صنعتها الرغبة في التعبير عن الواقع اللبناني والإحباط والانصات إلى "الإيمان الداخلي". تحدّثت عن طفولة محاصرة بالحرب، ونساء يبحثن عن ذواتهنّ، وأطفال ينتزعون من الحياة القاسية حقوقاً لا يمكن تجاهلها، وصولاً إلى الخوف من محكمة الرأي العام والصواب السياسي، وما تفرضه من رقابة على المخيّلة. كان الماستركلاس الذي قدّمته أمام صالة مكتظة، شهادة مخرجة لا تخفي شكوكها، لكنها تتمسّك بحدسها، وتدافع عن حقّ السينما في المجازفة. "النهار" كانت حاضرة في ليون، وتنقل الى قرائها أهم ما جاء في هذا اللقاء مع لبكي. "أتاحت لي الشاشة والأفلام فرصة التعرّف إلى العالم" "لستُ من بيروت، ولكن من قرية تقع في الجبال اللبنانية. نشأتُ في ظلّ الحرب، وكانت طفولتي مليئة بالملل. أمضينا أوقاتاً طويلة في الملاجئ، وأياماً كثيرة من دون مدرسة، ولحظات لا تُحصى لم يكن في وسعي خلالها أن ألعب كما يفعل سائر الأطفال… كنّا نمضي أوقاتاً طويلة محاصرين خلف أكياس الرمل. وكانت السينما، حينذاك، متنفّسي الوحيد، ننتظر عودة الكهرباء، لأن ذلك كان يعني لي ولأختي مشاهدة التلفزيون، والاطّلاع على ما يجري في العالم. أتاحت لي الشاشة والأفلام فرصة التعرّف إلى العالم. من حسن حظّي أيضاً أننا كنّا نسكن فوق متجر لتأجير أشرطة الفيديو. أتذكّر جيداً كيف كنّا نتسلّل من خلف أكياس الرمل الكثيرة لحماية واجهة المتجر. نمرّ من خلفها وندخل إلى ذلك العالم المليء بالأشرطة. هناك بدأتُ أكتشف ما يجري خارج حدودنا، وأتعرف إلى الحياة. وفي وقت مبكر جداً، أدركتُ أنني أريد أن أنتمي إلى هذا العالم. وددتُ أن أكون واحدة من الذين يصنعون الأحلام ويبتكرون الحكايات. منذ طفولتي، حسمتُ أمري: إنجاز الأفلام ورواية القصص. لعلّ الملل وعدم الاستقرار اللذين طبعا حياتنا باستمرار، وربما أيضاً إدراكي أن الموت احتمال قائم في كلّ لحظة خلف ذلك. كان الموت حاضراً، كشبح لا يفارقنا. لعلني استطعتُ أن أحوّل كلّ ذلك إلى شيء إيجابي، وأصنع من الغضب والإحباط طاقة خلاّقة". "في تلك القرية الصغيرة، كان جدّي يؤجّر أحد محلاته لصالة سينما صغيرة. صالة متواضعة جداً، لم تتح لي فرصة ارتيادها، لكن والدي روى لي حكايتها. هو أمضى فيها وقتاً كثيراً، داخل غرفة العرض، حيث ساعد عامل تشغيل الآلة. أتذكّر جيداً كيف كان يصف لي تلك اللحظات، وصولاً إلى رائحة بكرات الأفلام. أخبرني أنه نشأ في ظروف مادية صعبة. ومن خلال الأفلام التي كان يشاهدها، راح يحلم بالسفر والحبّ، وبأن يلتقي فتاة جميلة تشبه تلك التي كان يراها على الشاشة. ذكّرتني حكايته إلى حدّ ما بـ"سينما باراديزو". وحين كبر، أراد أن يعمل في السينما، لكن ضيق الأوضاع حال دون تحقيق حلمه. ورثتُ منه، بلا وعي، هذا الشغف بالصور، لكنني ورثتُ أيضاً ذلك الإحباط الناجم عن الشعور بأن الوصول إلى عالم السينما يكاد يكون مستحيلاً. حتى عندما قرّرتُ لاحقاً أن أمتهن السينما، بدا الأمر أشبه بحلم بعيد المنال. كنت أقول لنفسي إنني لن أتمكّن أبداً من إنجاز الأفلام. وعندما أنهيتُ دراستي، كانت السينما في لبنان لا تزال في بداياتها الخجولة. الإنتاجات السينمائية قليلة جداً. أعود باستمرار إلى فكرة الإحباط، لأنها المحرّك الأساسي في حياتي كلّها. حتى في المدرسة، كانت المعلّمة تشير إلى لبنان على الخريطة وتسألنا: "هل ترون هذه النقطة الصغيرة؟ إنها لبنان". كبرنا ونحن نحمل إحساساً بأننا غير مرئيين، وبأنه مهما فعلنا، سيكون من الصعب أن نُعرَّف الآخرين إلى ما نبتكره، أو أن نتحاور ونتواصل مع أشخاص يعيشون خارج حدود هذا البلد الصغير. رغم هذا الشعور، كان لديّ إيمان كبير. لا أعرف من أين جاء، ولن أستطيع تفسيره. إيمان يقول لي إنني أستطيع تحقيق ذلك. وهكذا، من فيلم إلى آخر، تمكّنتُ من بناء رصيد سينمائي خاص بي". "تحلّيتُ أيضاً بجرأة دفعتني إلى الادّعاء" "في طفولتي، كنت أشاهد كلّ ما يُعرض على التلفزيون، وكلّ ما أستطيع الوصول إليه، وخصوصاً الأفلام الغنائية والاستعراضية. أول فيلم سينمائي حقيقي شاهدته كان "بامبي"، ترك فيّ أثراً عميقاً، ولا سيما بسبب مشهد موت الأم. شاهدتُ "غريز" مئات المرات، إلى أن اهترأ شريط الفيديو، وصار من المستحيل تشغيله. والحال هذه مع "آني"، فيلم غنائي استعراضي آخر، إلى جانب الكثير من أفلام الرسوم المتحركة. "يوم عطلة فيريس بولر" من الأفلام التي طبعت سنواتي الأولى أيضاً. طفولتي مشبّعة أيضاً بعدد هائل من الأفلام المصرية، إلى جانب الكثير من المسرحيات المصرية المصوّرة. على ما أعتقد، أسهم ذلك في تشكيل علاقتي بالفنّ الشعبي والشارع. عندما التحقتُ بمعهد السينما في جامعة القديس يو