لبنان لا يستطيع أن يستفيد من "حلف مكة" إذا بقيت علاقته به محكومة بالانقسام الداخلي نفسه الذي حكم علاقته بالنظام الإقليمي السابق هنا يبرز "حلف مكة" باعتباره الإطار الأكثر واقعية للإجابة على هذا التحدي، لكن ليس بمعنى أن لبنان يستطيع الانتقال لمجرد قيام هذا الحلف من المظلة الإيرانية إلى مظلة "اتفاق مكة"، أو أن هذا الحلف الجديد سيحل تلقائياً محل الدور الإيراني في لبنان أو سيستطيع التأثير بشكل مباشر بالحسابات الأميركية فيه. المسألة أكثر تعقيداً، لأن دخول لبنان في المعادلة الإقليمية الجديدة يحتاج أولاً إلى خروج لبنان نهائيا من معادلات النظام الإقليمي القديم القائم على الاستقطاب الإيراني من جهة والأميركي-الإسرائيلي من جهة ثانية، أي إن على القوى السياسية اللبنانية إذا كانت حقا جادة في الخروج من المأزق، إنتاج صيغة سياسية داخلية تستطيع التعامل مع هذه التحولات والاستفادة منها. وهذا يبدأ من الملف الأكثر إلحاحاً، أي المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية برعاية أميركية، فالسلطة اللبنانية لا تستطيع أن تتعامل مع هذه المفاوضات باعتبارها مساراً يمكن التسامح مع إبطائه أو تركه مفتوحاً إلى أجل غير محدد، في وقت تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب. وبالتوازي ما عاد يمكن القفز فوق موقف الرئيس نبيه بري، الذي جدد، أمس، رفضه لـ"اتفاق الإطار"، على اعتبار أن تجاوزه يعني بشكل أو بآخر بقاء لبنان ضمن معادلات الصراع الداخلي القديمة؛ هذا فضلا عن أن تجاوز موقف بري يضعف الشروط الداخلية للتفاوض مع إسرائيل ويقلص فرص لبنان للاستفادة من التحولات الإقليمية لتعزيز الشروط الخارجية لهذا التفاوض. المطلوب، إذن، صيغة داخلية جديدة لا تلغي التفاوض ولا تجمّده، وإنما تعيد تنظيم شروطه، أي صيغة تسمح للدولة بأن تدخل المفاوضات وهي مدعومة بغطاء سياسي داخلي واضح، وبدعم إقليمي واضح أيضا. فلبنان لا يستطيع أن يستفيد من "حلف مكة" إذا بقيت علاقته به محكومة بالانقسام الداخلي نفسه الذي حكم علاقته بالنظام الإقليمي السابق. كما أن "حلف مكة" لا يستطيع أن يوفر مظلة أمنية وسياسية للبنان ما لم تتوافر في الداخل اللبناني أرضية سياسية تسمح بإدخاله في هذه المظلة، على اعتبار أن الرهان اللبناني الأساسي في هذه اللحظة، هو في إعادة بناء موقع لبنان داخل بيئته العربية والإقليمية، بما يحسن شروط تفاوضه مع إسرائيل ويقلل اختلال موازين القوة التي تحكمه ولاسيما بفعل نتائج الحرب الأخيرة. وهنا يتمظهر معنى تراجع النفوذ الإيراني في الإقليم، فإذا كانت طهران لا تزال قادرة على الرد على الهجمات الأميركية، وبالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها قوة خرجت من المعادلة الإقليمية، بيد أنها باتت تتحرك في بيئة استراتيجية مختلفة تماماً عن تلك التي سمحت لها طيلة المرحلة السابقة في مد نفوذها وإنتاج معادلات ردع في الخليج ولبنان وسوريا والعراق. فالضغوط الأميركية القصوى، واستهداف قدراتها ومصالحها، وتراجع قدرة حلفائها على الحركة، كلها تجعل إمساكها بالملف اللبناني أو تأثيرها في مسار التفاوض أقل، بما لا يقاس، مما كان عليه. نحن أمام مرحلة مختلفة، تتعدد فيها مراكز القوة في النظام الدولي، ويبرز فيها صعود الصين باعتبارها القوة التي لا يمكن فصل مستقبل النظام الإقليمي عن قدرتها على التأثير في الاقتصاد والأمن والتجارة والطاقة في المنطقة وهذا الواقع يفرض بدوره على "حزب الله"، وعلى الرئيس بري، إعادة قراءة المرحلة على قاعدة أنه لم يعد في مقدورهما أن يبنيا سياساتهما على افتراض أن إيران قادرة، في الظروف الحالية، على وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان أو فرض انسحاب إسرائيلي منه، وبالتالي عليهما التأقلم مع البيئة الإقليمية الجديدة، والاستفادة من معادلة ردع إقليمية أوسع من تلك التي بنتها إيران وأثبتت الحرب فشلها إلى حد بعيد. وهذا لا يعني أن "حلف مكة" أصبح طرفاً مقابلاً لإيران داخل لبنان بالمعنى المباشر، وإنما يعني أن قيامه يخلق للمرة الأولى منذ عقود مركز ثقل إقليمياً آخر قادراً على التأثير في البيئة الأمنية والسياسية التي يتحرك من ضمنها لبنان. فهذا الحلف وإن كان لا يستهدف إيران فإنه يملأ جزءاً واسعا من الفراغ الذي نشأ عن تراجع قدرتها على الإمساك بمفاصل ساحات نفوذها القديمة. وهذه الحقيقة ستفرض نفسها عاجلاً أم آجلاً على الحسابات اللبنانية. ولذلك فإن دول "حلف مكة" ستكون معنية، كل وفق وتيرته وحساباته، بالبحث عن ترتيب لبناني داخلي يتيح إنتاج توافق سياسي، بالحد الضروري، حول كيفية إدارة المرحلة، مصحوب بتوفير مظلة عربية-إقليمية للعملية التفاوضية مع إسرائيل حتى لا يبقى لبنان رهينة الشروط والقوة الإسرائيلية. ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية الآن، لأن لبنان، مثل سوريا والضفة الغربية، دخل فعلياً في الحسابات الانتخابية لبنيامين نتنياهو. وما أشار إليه موقع "أ