بين حماية حرية التعبير ومواجهة خطاب الكراهية، حضرت التحديات التي يفرضها الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي في "ندوة الكسليك" التي أطلقتها جامعة الروح القدس - الكسليك، حيث ناقش وزير الإعلام بول مرقص ووزير العدل عادل نصار قانون الإعلام الجديد، وآليات تطبيقه، والحدود الفاصلة بين حرية الرأي والتجاوزات التي تستدعي تدخلاً قضائياً. وجاءت الندوة الأولى تحت عنوان "الإعلام ومواقع التواصل: بين الحرية وخطاب الكراهية"، في مكتبة الجامعة، وسط نقاش حول التطورات التي يشهدها المشهد الإعلامي، واتساع تأثير منصات التواصل، وما يرافق ذلك من تحديات تتعلق بالتشهير والتحريض وخطاب الكراهية. وأكد وزير الإعلام بول مرقص أن "قانون الإعلام الجديد يشكل خطوة متقدمة في مسار تحديث التشريعات الإعلامية وتعزيز الحريات"، لافتاً إلى أن هذا المسار سيستمر من خلال اقتراحات إضافية ستُقدَّم إلى مجلس النواب. وأشار إلى أن القانون ينص للمرة الأولى على إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام، كاشفاً أن أولى خطوات الدعوة إلى تشكيلها ستظهر خلال الأيام المقبلة. وأوضح مرقص أن وزارة الإعلام تواصلت مع مجلس القضاء والنيابة العامة التمييزية، في إطار اجتماعات عُقدت في الوزارة للبحث في حسن تطبيق القانون، معرباً عن ارتياحه إلى التفسيرات القضائية التي أُعطيت لنصوصه. وتوقف خصوصاً عند الفقرة "ب" من المادة 104، موضحاً أن تطبيقها يشترط وقوع ضرر عام وليس ضرراً خاصاً، بما يمنع الشاكي من إساءة استعمال حق التقاضي. ولفت إلى عدد من الإصلاحات التي يتضمنها القانون، من بينها الاستغناء عن الترخيص المسبق لدور النشر، معتبراً أن فرض الترخيص قبل مباشرة العمل يطرح إشكالية تتعلق بالحكم المسبق على نشاط لم يبدأ بعد، فيما يجب معالجة أي مخالفة عند وقوعها وفق الأصول القانونية. وكشف مرقص أنه أعد مشروعاً لإلغاء الرقابة المسبقة على الأفلام السينمائية، إلى جانب مجموعة من الإصلاحات الإضافية الهادفة إلى تطوير البيئة الإعلامية وتعزيز الحريات. وفي ما يتعلق بخطاب الكراهية، شدد على ضرورة معالجة هذه الظاهرة بصورة أعمق، مؤكداً أن وزارة الإعلام "لا يمكنها أن تحل محل القضاء"، وأن أي تجاوز لحدود حرية التعبير يبقى من اختصاص الجهات القضائية المعنية. وفي المقابل، أشار إلى أن للوزارة مسؤولية اجتماعية، خصوصاً في أوقات الحروب والأزمات، عندما تتصاعد الانفعالات ويزداد خطر انتشار خطاب الكراهية. وأوضح أن الوزارة عقدت خلال الحرب الأخيرة لقاءات عدة مع وسائل الإعلام بهدف التوصل إلى خلاصات وإطلاق حملات توعية وتدريب تساعد على رفع مستوى الوعي بمخاطر هذا النوع من الخطاب. وأشار إلى أن صلاحيات وزارة الإعلام لا تمتد إلى تنظيم مواقع التواصل الاجتماعي، لافتاً إلى أن التجارب الدولية لم تنجح في وضع أطر تنظيمية شاملة لهذه المنصات في الدول الديموقراطية، بخلاف المواقع الإلكترونية التي يمكن تنظيمها وفق الأطر القانونية التي وضعها قانون الإعلام الجديد. وختم مرقص بالتأكيد أن "التعبير عن الرأي السياسي حق مشروع، شرط ألا يتحول إلى إساءة تمس بحقوق الآخرين وكراماتهم"، مشدداً على أهمية تحقيق التوازن بين حماية حرية التعبير ومواجهة الخطابات المحرضة على الكراهية أو المتجاوزة للحدود القانونية. من جهته، أعرب وزير العدل عادل نصار عن ترحيبه بقانون الإعلام الجديد رغم بعض الملاحظات عليه، معتبراً أنه قانون حديث يواكب تطور العمل الإعلامي ويعزز حماية الحريات العامة وحرية التعبير. وتطرق نصار إلى تطبيق القانون الجزائي في القضايا الإعلامية، مشيراً إلى أن النيابة العامة التمييزية تعاملت مع قضايا الإعلاميين منذ تشكيل الحكومة بصورة عادلة. وأكد أن القوانين ستُطبق، حتى وإن لم يكن التطبيق مثالياً بالكامل، مشيراً إلى وجود تحسن ملحوظ بصورة عامة، وخصوصاً في القضايا الإعلامية. وفي ما يتعلق بشكاوى القدح والذم والتعويض عن الأذى، أوضح نصار أن التعامل معها يتم وفق خصوصية كل قضية، في ظل وجود نص جديد واجتهاد قضائي متطور، لافتاً إلى دقة الموازنة بين الحفاظ على حرية التعبير من جهة، وحماية الأشخاص من الضرر وحقهم في التعويض من جهة أخرى. أما في شأن معايير تحديد خطاب الكراهية، فرأى أن بعض المصطلحات، ومنها "حسن النية"، يصعب تحديدها بصورة جامدة، ما يفرض النظر في كل ملف على حدة، معتبراً أن التوجه العام والاجتهاد القضائي يساعدان على توضيح الصورة. وشدد نصار على أنه "مهما تطور الذكاء الاصطناعي، نبقى دائماً بحاجة إلى قضاة"، موضحاً أن القانون وضعه البشر لمعالجة قضايا مجتمع مؤلف منهم. وتأتي هذه المواقف في ظل بدء تطبيق قانون الإعلام الجديد، وما يرافقه من نقاش قانوني وإعلامي بشأن كيفية صون حرية التعبير من جهة، ومواجهة التشهير والتحريض وخطاب الكراهية من جهة أخرى، في وقت باتت فيه منصات التواصل ال